قبل أيام، وبينما كنتُ أتابع تفاصيل المشهد الراهن، عادت بي الذاكرة إلى شذرة كتبتها قبل سنوات في لحظة تجلٍّ صادقة، حيث كنتُ أمشي بعد الفجر وفي ساعات الصباح الأولى، فرأيتُ بجوار أحد المنازل سيارة "ونيت" مليئة بصناديق فاكهة موسمية من العنب والرمان الشهي والطازج.
حينها، كتبتُ مستشعرة المعنى الحقيقي للأمان: "معنى أن تعيش في دولة آمنة يأتي أهلها رزقهم رغداً من كل مكان، معنى أن نصل إلى درجة من الطمأنينة لا يخشى فيها المرء على بضاعته ورزقه من السرقة، فيتركها طوال الليل في سيارته أمام منزله دون خوف".
وأكملتُ شذرتي بتأملٍ لقوله تعالى في سورة العنكبوت: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}. ووقفت عند: "جعلنا حرماً آمناً" وكيف أن الأمن نعمة عظيمة منّ الله بها علينا، وقد ختم سبحانه الآية بقوله: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}، لأنها نعمة خفية قلّما نستشعر وجودها بعد أن نألفها ونعتاد عليها.
واليوم، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على تلك الخاطرة، يترسخ داخلي يقين أعمق: قد تعيش سنوات طويلة في مكان آمن، حتى تظن أن الطمأنينة تفصيل عادي في يومك، وهو في الحقيقة جدار صلب لا يُقدر بثمن، يحميك ويحمي تفاصيل حياتك الصغيرة.
لكن، في غمرة هذا الأمان الصافي، وعلى خلفية الأحداث المتسارعة التي تحيط بنا اليوم، تمر لحظات يومض فيها جهاز الهاتف بالرسائل التحذيرية الطارئة. في تلك الثواني المباغتة، ينقبض القلب؛ ليس خوفاً على النفس أو ذعراً شخصياً، بل خوفاً على الأرض كلها، على السعودية، مرتعنا الآمن ووطننا الذي استظللنا بظلّه منذ أن ولدنا فيه، حتى وإن لم نكن نحمل في جيوبنا هويته الرسمية.
والحمد لله، سرعان ما تبدد قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي هذا القلق العابر بيقظتها المعهودة؛ فتأتي رسائل زوال الخطر، والاعتراض الناجح، أسرع بكثير من نبضات قلوبنا المتسارعة. إنها احترافية تذهل العالم، حيث تحلق الصواريخ والمسيرات الغادرة لتهدد الآمنين، فتنبري لها منظومات الدفاع الجوي في كبد السماء، لتدمر التهديد وتحيله إلى رماد قبل أن يمس تراب الوطن، وتثبت في كل مرة أن هناك سياجاً فولاذياً وعيوناً ساهرة تحرس هذا الطهر وتذود عنه.
من هنا ندرك تماماً لماذا السعودية خط أحمر.
إنها خط أحمر لقوتها وثقلها ومكانتها القيادية التي لا يمكن تجاوزها، وفي ذات الوقت لأنها ليست مجرد حدود جغرافية على خارطة، بل هي الأرض الكريمة التي يحتضن ترابها مئات الآلاف من جميع الجنسيات والأعراق، يعيشون ويمشون في مناكبها ويبحثون عن أرزاقهم بكرامة وأمان. إنها قلب العالم الإسلامي النابض وعمق الأمة العربية؛ ولذلك فإن الاعتداء على شبر واحد من هذه الأرض، أو محاولة هزّ استقرارها، هو اعتداء مباشر على وجدان الأمة بأكملها، ومساس بأمن ملايين البيوت التي ترتبط مصائرها وأفئدتها بهذا الاستقرار العظيم.
هذا الفهم الراسخ يقودني إلى مراجعة حبي الخاص لهذه البلاد؛ وهو حب خالص خالٍ من الشوائب والادعاء. حب نبت بصدق من خلال العشرة الطويلة، والسنين الممتدة، والعيش فوق هذه الأرض المباركة والأكل من خيراتها. إنه الانتماء الذي يتجاوز حدود الأوراق الرسمية ليصبح جزءاً من التكوين الإنساني والدم الذي يجري في العروق، تماماً كما تختصره هذه الكلمات من قصيدة الشاعر فهد المساعد:
ماله حدود وما تخطّه أيادي
روحي ولا تغلى عليها.. هديّة
حبّي لها مافيه موقف حيادي
أحبّها فطرة وعشق وحْمَيّة
وأهيم فيها وأرفع الصوت شادي
لرمالها، لحدودها الساحلية
فعلاً، حبنا للسعودية، ودفاعنا عنها، وخوفنا على أمنها ليس فيه منطقة رمادية ولا يعرف الحياد. نحن معها بقلوبنا وجوارحنا ضد أي عدوان أو تهديد، يضيرنا ما يضيرها، ويفرحنا ما يفرحها، وستبقى دائماً -بأمر الله وتماسك أهلها ومن يعيش عليها- خطاً أحمر لا يُمَس. فيا بلادي واصلي .. الله يحميك ، يحميكِ إله العالمين.
مروة بصير

تعليقات
إرسال تعليق