نشهد اليوم
في عالم يقدس "الإنتاجية الصارمة" هوساً غير مسبوق بجداول الأعمال الخانقة.
لقد استعرنا قوانين الشركات الكبرى —برؤيتها ورسالتها ومؤشرات أدائها الجافة— وأسقطناها
قسراً على حياتنا الإنسانية. والنتيجة؟ مجتمعات تئن تحت وطأة جلد الذات، وشعور دائم
بالتقصير عند أول عثرة أو لحظة تعب.
إننا بحاجة
ملحة لإعادة تعريف "التخطيط"، ليس كآلة إدارية جامدة، لكن كبوصلة مرنة تحمي
الروح من التخبط. ولعل الأعماق الفلسفية والنفسية لهذا المفهوم تتجلى بشكل باهر في
قول الله تعالى في سورة الملك: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى
أَمَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
إذا نظرنا
إلى هذه الآية من منظور إنساني واسع، سنجدها تضع حداً فاصلاً بين نمطين من البشر في
مواجهة رحلة الحياة:
أولاً:
الانكباب على الوجه.. العيش بلا اتجاه
في المعنى
الواسع للآية، "المشي مكباً على الوجه" يمثل حالة الضياع المطلق والتخبط
العشوائي. إنه الإنسان الذي يعيش بلا خطة أو اتجاه على الإطلاق؛ لا يملك بوصلة توجه
قراراته، ولا غاية كبرى يسعى نحوها.
هذا النمط
من العيش يجعل صاحبه رهينة للظروف المحيطة وردود الأفعال اللحظية، فهو ينظر تحت قدميه
فقط، ينقاد للمؤثرات الخارجية يمنة ويسرى دون إرادة واعية، فلا يدري أين يسلك، ولا
يستقيم له طريق. يمر العمر به وهو مكبّ في تفاصيل يومية مكررة، دون أن يخطو خطوة حقيقية
نحو بناء ذاته أو ترك أثر يُذكر.
ثانياً:
المشي سوياً.. امتلاك الوجهة والصراط
في المقابل،
"المشي سوياً على صراط مستقيم" هو السير برأس مرفوع وقامة منتصبة. والسائر
هنا أهدى وأقرب للوصول لأنه يملك "وجهة واضحة" وهدفاً كبيراً يسير نحوه.
القامة
المنتصبة تمنحه زاوية رؤية واسعة؛ فهو يرى الأفق، ويعرف أين يضع قدمه، ويتحرك بوعي
وثبات لأن لديه مساراً عاماً يرتكز عليه (الصراط المستقيم). هذا الوضوح في الاتجاه
يغنيه عن التشتت، ويحميه من الانقياد الأعمى لعشوائية الحياة.
ثالثاً:
المفهوم الإنساني للتخطيط (المرونة والمراحل)
هنا يبرز
السؤال الجوهري: هل المشي سوياً يعني الالتزام بخطط صارمة وجداول زمنية خانقة؟
بالتأكيد
لا. التخطيط في حياة الإنسان لا يشبه تخطيط الشركات والمصانع؛ فالحياة البشرية ليست
قابلة للهندسة الدقيقة برؤية ورسالة وزمن تنفيذ جامد، بل هي رحلة تحتاج إلى فلسفة تخطيط
إنسانية تقوم على المبادئ التالية:
الأهداف المرحلية: التخطيط الحقيقي هو أن تضع لنفسك
أهدافاً عامة لكل مرحلة من مراحل عمرك، ثم تفكك هذا الهدف لتعيش المرحلة ذاتها، وتستمتع
بخطواتها وتفاصيلها دون استعجال للنتائج.
المرونة العالية والتقبل: الحياة الإنسانية متقلبة
ولا تسير على وتيرة واحدة. التخطيط الناجح يتطلب تقبلاً تاماً للهفوات، القصور، والتعب.
فهم الحالات البشرية: الإنسان ليس آلة تعمل بالطاقة
القصوى دائماً. إن الجد والاجتهاد والمثابرة هي "حالة" نمر بها، تماماً كما
أن الكسل والوهن والضعف والتعب هي "حالة" طبيعية وجزء من بشريتنا يجب احترامه
ومنحه مساحته من الراحة دون جلد للذات.
التخطيط
والمرونة النفسية (Psychological Flexibility)
في علم
النفس الحديث، يبرز مفهوم "المرونة النفسية" كأحد أهم ركائز الصحة العقلية
والنجاح المستدام. ويُعرف بأنه قدرة الفرد على التكيف مع المتغيرات، وتقبل المشاعر
السلبية، وتعديل السلوك بدلاً من العناد مع الواقع. يقول عالم النفس الشهير كارل روجرز:
"المفارقة الغريبة هي أنني عندما أتقبل نفسي كما أنا، عندها فقط يمكنني التغيير".
المرونة
النفسية في التخطيط تعني ألا نعتبر التوقف المؤقت أو الالتفاف حول العقبات فشلاً، بل
جزءاً من الصيانة الذاتية لمواصلة السير "سوياً".
التخطيط
في حياتنا ليس عملية إدارية جافة لتصميم الأعمال، إنه شيء انساني يحتاج صبرا
ومرونة وتفهما كاملا لتقلبات الحياة وسيرها.
دعونا
نمشي في هذه الحياة "بسوية".. نملك الوجهة والبوصلة التي تحمينا من التخبط
والانكباب، ونواجه المنعطفات بمرونة تمنحنا السلام، مستمتعين بكل خطوة، ومدركين أن
إنسانيتنا تكمن في قدرتنا على التكيف والنهوض مجدداً برؤوس مرفوعة.
مروة بصير
.png)
تعليقات
إرسال تعليق