وكانت المقاهي بيوتنا المشتركة


 


"وكانت المقاهي بيوتنا المشتركة، وكنا نعود منها برائحةِ القهوة، ورغبةٍ أقلَّ في البكاء".


منذ أشهر، وهذه الشذرة الشاعرية البديعة للشاعر علي عكور تقع في قلبي موقعاً دافئاً؛ أتأملها بامتنان مفرط، وأستحضرها تحديداً عند نهاية كل مساء يجمعني بصديقاتي في مقاهي مدينتي، الطائف. في تلك المساحات الآمنة التي لم تعد مجرد جدران تجارية عابرة، بل تحولت في وعينا الفلسفي إلى ما يسميه علماء الاجتماع بـ "المكان الثالث"؛ ذلك البرزخ الآمن الواقع بين التزامات المنزل وضغوط العمل. هناك، نسقط كلفة الأيام، ونجلس لنعيد بناء عوالمنا؛ نضحك، نخطط، ونبكي بدموعٍ خفيفة تواسيها الأيدي الدافئة الممتدة فوق الطاولة بحنان وتفهم.

 

قبل أيام، استوقفني منشور على منصة "إكس" لامرأة تنتقد فيه مجموعة أصدقاء التقوا في مقهى، متعجبةً من أن حديثهم كان مليئاً بالاقتباسات، والأبيات الشعرية، والمفردات الفصحى. اتهمتهم يومها بالادعاء، ووصمَتْ حديثهم بالتصنع والبعد عن الطبيعية البشرية.

 

ابتسمتُ حيال ذلك التعليق؛ ابتسامة تدرك مفارقة الوعي. فكاتبة المنشور لا تعرف أن الأدب ليس قناعاً نرتديه لنبهر أحداً، بل هو "طبيعة ثانية" جُبلنا عليها نحن محبي الثقافة. لا يكاد يخلو حديثنا التلقائي من ذكر كتاب، أو استدعاء بيت شعر، أو إسقاط مشهد من فيلم، أو نصيحة ذهبية التقطناها من بودكاست. نحن لا نتصنع الفصاحة، بل هي لغتنا التي تنساح من عقولنا بلا وعي، تصبغ عباراتنا بمفردات عميقة ودالة، لأن المرء يعبر بما يمتلئ به جوفه. والمقاهي، في أصل تاريخها، لم تكن سوى البيوت الأولى للمثقفين؛ مساحتهم، وساحتهم، ومسرحهم الذي يمارسون فيه إنسانيتهم.


تمنيتُ لو أن صاحبة ذلك المنشور تأتي وتجلس بيننا يوماً واحداً، لتشهد كيف تذوب وعورة العالم في فنجان قهوة. لتَرى بعينها كم من المواساة والضماد يكمن في بيت شعر واحد يتيم يُقال بعد شكوى مؤلمة، وكم من التفهم الغامر ينبثق من اقتباس أدبي نلقيه بعد حيرة واضحة، وكيف تصبح الحياة بصحبة الكلمة المكتوبة أغنى، أرحب، وذات معنى أعمق. والعجيب أننا من شدة الانغماس في عوالمنا، لا نلحظ ما حولنا، وكأننا نُخلق في تلك اللحظة داخل شرنقة من الأنس الخالص، وكأننا حقاً في بيوتنا.

 

حين نلتقي، نحن لا نقضي وقتنا في إلقاء خطب منمقة أو إدارة ندوات أدبية مغلقة؛ بل نثور في الحديث عن تفاصيل الحياة اليومية ومجريات أيامنا العادية الأشد بساطة. نتشارك الشكوى المُرّة من العمل وأربابه الجشعين الذين يستنزفون الطاقات، ونهرب معاً نحو أحلامنا العاطفية العذراء التي نخبئها في صدورنا بنقاء. نتناقش حول الطبخ، والمكياج، وتنسيق الملابس، ونمازح بعضنا ونضحك بملء قلوبنا. لكن لسببٍ ساحر، تصطبغ كل تلك الأحاديث البسيطة بتعبير ثقافي وفصاحة لسان تلقائية، تحول اليومي العابر والمشحون بالهموم إلى نسيج أدبي ممتع وجميل.

 

هذا الطبع الحواري الدافئ ليس رهيناً بزمن الجلسة أو جدران المقهى، بل إنه يملك خفة وجاذبية تمكنه من الانتقال والانسياب إلى مساحاتنا الأخرى، حتى الافتراضية منها. أذكر قبل فترة، حين شاركتُ صديقاتي لقطة لبودكاست يحمل عنواناً مختزلاً: "كيف تصبح شخصاً بارداً؟"، كيف تحول تعليق عابر من إحداهن إلى شرارة فجرت نقاشاً عميقاً ومحموماً امتد ليومين كاملين عبر تطبيق "سناب شات". فككنا فيه فكرة البرود النفسي، وتأملنا فلسفة التحكم في التوقعات، ومواجهة الحياة واختياراتها. وفي نهاية تلك التظاهرة الفكرية الصغيرة، ضبطنا أنفسنا ونحن نشكر بعضنا؛ شكرنا الصداقة أولاً على إتاحة هذا الوجود الآمن، وشكرنا الوعي ثانياً على هذا الإثراء التلقائي. إنها "المعرفة التراكمية" التي نغزلها معاً في تفاصيلنا اليومية، والتي لا بد وأن تعيد تشكيل حياتنا وتمنحها بوصلة أفضل نحو التحسن والالتئام.

 

في النهاية، الأدب ليس برجاً عاجياً يُبنى للتعالي، بل هو الملاذ الذي يعيد صياغة اغترابنا الإنساني إلى دفء مشترك. وحين نغلق باب المقهى خلفنا، أو نغلق هواتفنا ونمضي إلى مصائرنا الفردية، لا نعود فقط بنكهة البن وخفقان الكافيين، بل نعود بروح رممها حب الأصدقاء، ووعي صقلته المعرفة المشتركة، وـ كما قال علي عكور تماماًـ نعود بـ "رغبةٍ أقلَّ في البكاء".

 

مروة بصير

 


تعليقات