قصة الثلاثاء: سَند

 






     بعد يوم عمل طويل جلست في سيارتي تحت المنزل لمدة لا أعلمها.. مما فاقم من تأخري. في المصعد تأملت انعكاسي الباهت لبرهة، ثم أخفضت بصري كأني أشعر بالخجل من رجل خذلته مراراً.

فتحت باب الشقة، الردهة مظلمة ونور خافت من الصالة. بهدوء دخلت، فهبت هي واقفة تلاحقني بالأسئلة: لماذا تأخرت؟ لماذا لم ترد على اتصالاتي طوال اليوم؟ أين الخبز الذي طلبته؟ لماذا لا ترد ما بك؟

تجاوزتها وأنا أتنهد علها تفهم مدى تعبي، دخلت إلى غرفة النوم، ألقيت بحقيبة اللاب توب على السرير وبدأت بخلع ملابسي، تبعتني لكنها وقفت أمام الباب فقط ويديها في خصرها، صوتها الحاد يأمرني أن أجيب على أسئلتها، ثم بدأت تلعن حظها والساعة التي ولدت فيها، شتمتني، اتهمتنّي بالبلادة وقلة المروءة:

-       لما لا ترحم ضعفي وتراعي أنني أجلس وحيدة طوال اليوم لا أنيس ولا ونيس.

مشيت خطوات داخل الغرفة، أود الهرب لكن إلى أين؟! أمسكت رأسي الذي يكاد ينفجر، أخشى عليها من نوبة غضب تفور داخلي، جلست في طرف السرير ورأسي يكاد يسقط من بين كتفي.

ثم دفع تيار هوائي مفاجئ الباب ليغلق بقوة محدثاً صوتاً صاخباً ارتدت معه النوافذ.. صمت ذاهل للحظات.

ثم بدأت تولول مجدداً من خلف الباب: أتغلق الباب في وجهي؟ أهذه آخرتها؟ ماذا فعلت في دنياي لأستحق ذلك؟

شيء ما داخلي أشعرني أنها على وشك أن تفتح الباب وتقتحم عزلتي، قفزت من مكاني وأدرت القفل مرتين، وبالفعل حاولت فتحه، رجته، صرخت، وطرقت بكلتا يديها وهي تلعنني وتلعن أبي وكل سلالتي. وضعت رأسي على الباب، كان ساخناً من فرط غضبها.

دخلت إلى حمام الغرفة لأكمل خلع ملابسي، فتحت الماء، وقفت تحته لساعة كاملة. خف طرقها على الباب بعد مدة، شريط حياتي مر بي.. صوت نحيبها -الذي يصلني من بعيد- موسيقى تصويرية مناسبة لحياتي البائسة معها.

تحكمها بي، غيرتها المريضة علي حتى من أخواتي وبناتهن، اعتمادها المتناهي علي، تعطل حياتي بسببها. أفكر هل كنت سأكون سعيداً مع هند أو حياة أكثر؟ تذكرت غضبها الدائم من هذه السيرة، مجرد احتمال وجود امرأة أخرى في حياتي، وتحايلها حيث تلجأ فوراً للتظاهر بالمرض والألم لاستدرار عطفي وإحكام قيدي. فكرت في الحلم الأعز؛ أن يمتلئ هذا المنزل بالأطفال بدلاً من هذا الصمت الخانق.

وقفت أمام المرآة أتأمل الشيب الذي بدأ يخالط السواد، سنوات عمري الأربعون، طفولتي البعيدة، وأبي الذي مات وهو غاضب مني ومنها.

خرجت من الحمام وفتحت باب الغرفة بهدوء، أشعر بجفاف حلقي يكاد يمزقني. أحست بحركتي فبدأت تصرخ من جديد، خرجت من المطبخ ووقفتُ أمامها وهي تنتحب على أرض الصالة وتسبني بكل ما تعرف يقيناً أنه يجرح رجولتي وكياني.

لم أحتمل.. ألقيت بكأس الماء على الجدار المقابل فتحطم شظايا، فزاد صياحها واتهامي بالجنون.

- أخيراً صرخت أنا: أنتِ طالق.. طالق.. طالق!

بُهتت هي ونظرت إلي كمن تنظر إلى مجنون.

- قلتُ لها: مالك لا تردين؟ أنتِ طالق!

- قالت بذهول وهي ترتجف: سَند.. أجننت يا ولد؟ أنا أمك!

- قلتُ وعيني مثبتة عليها: لستُ ولداً وأنتِ طالق.. ولا أريدك في حياتي بعد اليوم.



تعليقات