في أكتوبر من كل عام، يتشح العالم بشعارات الصحة النفسية الرنانة. تمتلئ المنصات بعبارات تحتفي بالصبر وتُمجّد المعاناة، وتُصوّر التروما كأنها "ورشة عمل قاسية" تصنّع الأبطال.
يخبروننا بكثير من الرومانسية المبتذلة أن الصدمات هي هدايا متنكرة تجعلنا أقوى. حتى إن أحد الأطباء النفسيين شبّه ذات مرة الحياة الصعبة بـ "بالمضاد واللقاحات" التي تُكسب المرء مناعة ضد الألم!
لكن، إن سلمنا جدلاً بأن الصدمة لقاح، فكثرته لابد أن تؤذي. عندما تولد وتكبر في بيئة محاطة بالمشاكل الأسرية المتفجرة، وتختبر العنف، والانفصال، والفقر، فإن الألم يصبح سِمة الحياة وليس عارضاً فيها. من يعيش هذه الصدمات المتلاحقة منذ صغره، من أكبرها إلى أصغرها، يعرف الحقيقة العارية التي تُخفيها الكلمات المنمقة: الصدمات النفسية لا تجعل الإنسان أقوى؛ الصدمات تجعل الإنسان مصدوماً، ومرهقاً، ومستنزفاً حتى النخاع.
ما لا يعرفه إلا من خاض حياة كهذه، أن كثرة القوة تُضعف، وأن شدة المقاومة تجعل القلب يتفتق! إنها تجعل الشخص يحمل ألمه ويقف على أبواب الأطباء لا يعرف كيف يحكي عنه، فهو أكبر وأعمق من أن يُترجم لحروف. وحين يحكي، سيختزلون تشخيصه بقولهم: "اكتئاب نتيجة تراكمات"، وسينصحونه ببساطة أن يبتعد عن الضغوط!
إن إجبار طفل أو إنسان على 'جر نفسه في الحياة' والمقاومة بضراوة لانتزاع أبسط الحقوق البديهية ليس بطولة ممتعة؛ إنه استنزاف مرير وغير عادل للجسد والروح. والجسد يرفض الكذب، فهو يسجل كل تلك الخيبات المتراكمة ويدفع الفاتورة نقداً من صحته وعافيته، حتى تنهار قواه وتتآكل حمايته النفسية.
ومع هذا الإنهاك التام، تعطل الصدمة بوصلة الأمان لديه، فيجد الإنسان نفسه في لحظات ضعفه وانكساره محاطاً بأشخاص أو ظروف سيئة لا يستحقها، لكنه استسلم لمجرد أنه لم يعد يملك طاقة للمقاومة أو الفرز.
وحين ينجو المرء ويظن أنه ترك الألم خلفه، وأن المستقبل أمامه مشرعةٌ أبوابه، تأتي آثار هذه الحياة وتظهر على السطح مع أصغر موقف ومع أصغر صدام. سيتفاجأ أن القلق يأكل قلبه، وأنه يسيء تفسير كل شيء ويهوله؛ فمن اعتاد الفزع يظن أن الأمان خدعة!
وسيقف وحده في آخر المطاف وبجواره تلك الآلام التي كسرته وأعادت تشكيله. ورغم أنها تُرسخ بقلبه إيماناً ويقيناً بأن (الآلام إلى زوال)، إلا أنها تأبى أن ترحل دون أن تترك ندوبها وآثارها. سيتعلم أن الضعف كما القوة حق، سيصاحب الآلام لأنه عرف وفهم أن لا نجاة تامة من آثارها، وفي نهاية الأمر سيفرّ إلى الله بيقين: "لا تكلفني ما لا طاقة لي به".
حين نحاول النجاة وسط هذا الركام، يجب أن نعيد الفضل لأصحابه. قوتي الحالية هي صنيع أقدامي التي واصلت المسير وهي تنزف منذ الصغر، صنيع روحي التي قاومت، وليست منّة من الظروف القاسية، ولا من الصدمات والاكتئاب والقلق.
في يوم الصحة النفسية، دعونا نتوقف عن إضفاء المثالية على الألم؛ نحن أقوياء رغم صدماتنا، ولسنا أقوياء بسببها. فالصدمة تهدم، والإنسان وحده هو من يبني.
مروة بصير

تعليقات
إرسال تعليق