قميص أمير خان
دَأَبَ أمير خان على الوصول إلى ورشة السيارات
بقميصٍ مكوِيٍّ ناصع، وحذاءٍ يلمعُ أكثر من واجهات السيارات التي يُمضي نهارَهُ في
إصلاحها. كان يعلّق قميصه بعناية خلف الباب، ثم يرتدي بدلة العمل الزرقاء الداكنة.
وعند نهاية اليوم، يُطيل غسل يديه، ويفْرُك حواف أظافره بقسوة حتى تحمرّ؛ كان يدرك
أن رائحة الزيت والشحم ستقتفي أثره إلى غرفته، لكنه يأبى أن يسمح لها باستيطان ثيابه
النظيفة.
سأله صاحب الورشة ذات مساء، وهو يراقبه يبدّل
ملابسه استعداداً للمغادرة:
«من ينتظرك
بكل هذه الأناقة يا أمير؟»
أغلق أمير
الزر الأخير من قميصه، وأجاب بهدوء: «لا أحد».
ابتسم
الرجل وتمنى له ليلة سعيدة ، فخفض أمير صوته قليلاً وقال بنبرة مثقلة:
«إذا متُّ
هنا.. أرجوك، لا تدفنوني بملابس العمل».
غاضت الابتسامة عن وجه صاحب الورشة، واعتراه
الجدّ فقال: «ما هذا الكلام يا رجل؟ أنت مسلم يا أمير، وسوف تُغسَّل وتُكفَّن في رداء
أبيض طاهر. هذه من كرامة المسلم».
ابتسم أمير ابتسامة باهتة، وراح يمرر إبهامه
على طرف كُمّه المكويّ المتقن، وفكر في سرّه: أيمكن أن ينال المرء كرامته كاملةً بعد
الموت، وإن قضى حياته كلها يتوسل قليلًا منها؟
لكنه لم
ينطق بشيء، حمل حقيبته ومضى في طريقه.
لم يغترب أمير ويلجأ إلى هذا البلد ليعمل
في ورشة؛ فقد كان يحمل شهادة جامعية، وخُطّة حياةٍ مرسومة تبدأ براتب جيد وتنتهي ببيت
صغير دافئ في وطنه. لكن مدّخراته الشحيحة نفدت قبل أن يظفر بالوظيفة التي أرادها، وفي
الوقت نفسه، بدأت حاجات أهله تتوارد عليه تباعاً عبر الهاتف. حينها، قَبِل بالعمل في
الورشة مُخدّراً نفسه بفكرة: "شهرين فقط"، ثم دارت العجلة، واستحالت الشهور
أعواماً طالت حتى لم يعد يقوى على عدّها.
كان يرسل جلّ راتبه إلى أهله، ويضع الفتات
المتبقي في ظرف ورقيّ كَتَبَ عليه بخط يده: «التقاعد». وكلما انتفخ الظرف قليلاً، دهمتْه
حاجة طارئة؛ علاجٌ لأحدهم، أو عطلٌ مفاجئ في البيت، أو ارتفاعٌ جديد في ثمن تذكرة الطيران
التي يمنّي بها النفس. كان يُفرغ الظرف، ثم يشتري ظرفاً جديداً ليخطّ عليه الكلمة ذاتها،
متمسكاً بالأمل.
في الورشة، غدا أمير خبيراً حسيّاً؛ كان يشخّص
عطل السيارة بمجرد الإنصات إلى هسيس محركها. وكان زملاؤه يعرفون أنه الملاذ الأخير؛
الرجل الذي لا يغادر طالما هناك سيارة يحتاجها صاحبها في الصباح الباكر. وحين يقبض
أجره، كان أول ما يبتدئ به هو شراء صابونة جيدة وعطرٌ رخيص، ثم يقف متأملاً أمام واجهة
محل الملابس الفاخرة لقرابة دقائق، دون أن يشتري شيئاً، مكتفياً بالنظر.
في إحدى الليالي، وقبل دقائق معدودة من الإغلاق،
تَهَادَتْ سيارة معطلة إلى الورشة. كانت تقودها امرأة، ينام في المقعد المجاور لها
طفلها الصغير. بلا تردد، خلع أمير قميصه النظيف، وطواه بعناية ووضعه على رف قريب
فوق كيس بلاستيكي انتشله من جيبه، وارتدى بدلة العمل الزرقاء مجدداً. أصلح العطل بمهارته
المعتادة، لكن في غمرة حركته، ارتطم بالرفوف فسقطت علبة زيت من فوق الرف العالي، وانسكب
سائلها الأسود مباشرة على قميصه المطوى بعناية.
تأسفت المرأة بكثير من الخجل حين رأت ما حدث،
فطمأنها بابتسامة قائلاً إن البقعة ستزول بالغسيل، ثم ساعدها على تشغيل سيارتها وتوديعها.
بعد رحيلها، عاد إلى قميصه؛ كانت البقعة الداكنة تتسع ممتدة من كتفه إلى صدره، مستقرة
تحديداً في الموضع الذي يخفق تحته قلبه المثقل.
ظل واقفاً يتأملها لوقت أطول مما تستحقه بقعة
زيت عابرة. تذكّر وصيته لصاحب الورشة، وساوره شعور غريب ومبهم بأن أجله قد دنا؛ كأن
القميص الذي جاهد في إبقائه طاهراً طوال سنوات الغربة، قد استسلم أخيراً لظروف العمل.
في غرفته الضيقة، نقع القميص في الماء وفركه
بقوة حتى كلّتْ أصابعه واحمرّت. خفّ لون الزيت قليلاً، لكن ملامحه بقيت عنيدة. نشر
القميص على حبل قرب النافذة، وجلس على حافة سريره يراقب قطرات الماء وهي تسقط بانتظام
من كُمّه إلى الأرض، كأنها عدٌ تنازلي. تناول هاتفَه واتصل بأمه، يسألها بنبرة متلهفة
عمّا أكلته، وعن شجرة الليمون العتيقة أمام دارهم. أطال الحديث معها بشغف مستجد، حتى
استوقفته ضاحكة وتوسلته أن ينام لأن يوماً شاقاً ينتظره في الصباح.
مع شروق الشمس، تفحّص القميص؛ وجده جافاً
تماماً، لكن البقعة الغامقة ما زالت رابضة في مكانها كوشم. ارتداه على حاله ومضى إلى
الورشة.
رآه صاحب العمل، فصوّب نظره نحو صدره متفاجئاً،
وسأله: «أمير ما أصاب قميصك الأنيق؟»
هز أمير رأسه بصمت، ثم قال بعد برهة من التردد:
«إذا حدث لي مكروه.. هل ما زلت تذكر ما أوصيتك به؟»
اقترب الرجل منه، وربت على كتفه بحنو: «أذكر
يا أمير، أذكر.. لكن ادخل الآن، فالسيارات تنتظر بالخارج».
أومأ أمير مطيعاً، وعلّق قميصه خلف الباب
كعادته اليومية. بقيت بقعة الزيت بارزة للعيان من بعيد، تروي قصة التعب المحفور. نظر
إليها نظرة أخيرة بعينين غائرتين، قبل أن يرتدي بدلته الزرقاء، ثم فتح باب الورشة على
مصراعيه واستقبل يومه الجديد.
.png)
.png)
تعليقات
إرسال تعليق