أنا أكتب

 




    مليئةٌ هي الدنيا بالمتميزين، مليئةٌ بالكفاءات والموهوبين في كل مجال، مليئةٌ بالفنانين المبدعين، بالأذكياء والدهاة، مليئةٌ بالحافظين والعالمين، مليئةٌ إلى الحد الذي يكاد يفيض.

    لكن ما الذي يجعل شخصًا ما يُبرز نجمه أكثر؟ ولماذا تأتي الفرص أحيانًا للبعض دون الآخر؟ بالطبع للإتقان دور، وللإيمان الحقيقي بالنفس دور، وللتدرب وصقل المواهب دور، وللتسويق دور.

{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}

    صديقي الإنسان، يا من قضيت ردحًا من الزمان على هذه الأرض فَخَبُرت نفسك وعرفتها، {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}، أنت المسؤول الأول والمباشر عن التسويق لنفسك، أن تثبت جدارتك، وأن تلفت الأنظار إليك. أنت وكيل الإعلان، وكاتب المحتوى ومسوقه، أنت وحدك.

    لأنها أمانةٌ في عنقك؛ أمانةٌ أن تنفع الأرض وسكانها بموهبتك، أو علمك، أو حكمتك، أو دهائك، وأن تنفع نفسك أيضًا بها وبما سيعود عليك من استخدامها. وإنما قد خُلقنا بهذا التنوع الرهيب في الكفاءات والمهارات لنُعمر الأرض.

    أتعجب أنا ممن يملك موهبةً ما ولا يستغلها ولا يُسخّرها، فلا ينتفع أو ينفع بها. وأتعجب أكثر ممن يملك موهبةً وعلمًا وحكمةً ودهاءً و«روعةً»، ويدّعي أنه يكفيه علمه الشخصي بها، وأنه ليس بحاجة إلى إظهارها للناس!

    تجده -أي المدعي هذا- يقول: أنا كيت وكيت، لكنّي لستُ بحاجة لأن أثبت لك نفسي، ويكفيني أن الله يرى. ولا أرى أن هذا اكتفاءٌ في الحقيقة، بل إني ألمس فيه قلة ثقة، واستجداءً ضعيفًا وجبانًا فقط.

    نعم، ليس من اللائق أن نكثر الحديث عن أنفسنا في كل حين، وبمناسبة وبدون مناسبة، خاصةً إن لم يرافق الحديث عمل. لكن من غير اللائق أكثر ألا نسوّق لأنفسنا، خاصة حين تلوح الفرص.

    منذ فجر الإنسانية الأول، لا يوجد صاحب موهبةٍ ما إلا وسعى لنقلها إلى غيره أو أن ينفع بها أمته! فالشاعر قد كتب، والفنان رسم، والحكيم قد جعل له حلقات ودروسًا. لا يوجد إنسان وهبه الله ميزةً ما إلا وسعى لأن تُكتشف وتُعرف، وأمل كذلك في أن تُقدّر. ومن لم يتم تقديره في زمانه، تقول الحكايات إنه إما مات كمَدًا، أو فقد عقله، أو انتحر.

    صديقي الإنسان، إننا الآن نعيش عصر الفيضان في كل شيء. إن لم تظهر ستنغمر، وإن لم تطفُ ستغرق. لن يأتي أحدٌ ليبحث عنك، لا في حياتك ولا بعد موتك، بالمناسبة، إن أنت لم تتحيّن الفرص والطرق الصحيحة للتسويق لنفسك.

    ولصديقي المدعي أقول: كفاك مواربة. ثق بنفسك، بموهبتك، بعلمك، بذكائك. أظهرها للناس، تحدث عنها بتواضع، كحقيقة مجردة: «أنا أجيد الحياكة»، «أنا كاتب»، «أنا رسام».. إلخ، ثم شَفّعها بشواهد من عملك الجاد عليها.


مروة بصير

تعليقات