"بينما تستقر غيوم الغبار نجتمع معًا في ساحة المزرعة، ترتعش ركبتانا فنتهاوى ونترنح، ولكن ذلك لم يخلُ أبدًا من المرح. تجد أيادينا وسيقاننا مخدوشة، وفتات القش يملأ رؤوسنا ويستقر بين أصابع أيدينا وأقدامنا، أما فتحات أنوفنا، رجالًا ونساءً وأطفالًا، فلم تكن رمادية اللون، بل سوداء يملؤها التراب. هكذا جلسنا بالخارج، تحت شمس الأصيل، نستمتع بنكهة ذلك التعب المشترك. تجد بعضنا يتحدث، وبعضنا يصمت، بعضنا يجلس على الدكة أو فوق مقبض العربة، وبعضنا على أرض الحقل حيث العشب الباهت. تجمّع الجيران كافة، كبارًا وصغارًا، في تناغم وانسجام على أوتار ذلك التعب المشترك. فقد جمعتنا ووحدتنا سحابة من التعب الأثيري، إلى أن تصل الشحنة التالية."
هذا المشهد حكاه الكاتب بيتر هاندكه في مقالته عن التعب، حين وصف ما أسماه «التعب المشترك» بعد يوم عمل طويل وشاق في المزرعة، عندما كان طفلًا صغيرًا في قريته بالنمسا.
كان موسم حصاد القمح يعني أن يجتمع الجيران جميعًا لجزّه؛ كل يوم في مزرعة أحدهم، حتى تنتهي مزارع القرية والمزارع المجاورة. عملٌ يتنقل بينهم، ويتقاسمونه كما يتقاسمون أيامهم، فلا يترك أحدٌ جاره وحيدًا أمام عبء العمل.
وقد أطربتني هذه التسمية: التعب المشترك.
ولعلها جاءت في معناها من العمل المشترك؛ ذلك العمل الجماعي المنظم الذي يؤدي إلى نتائج باهرة. وحين تكون النتيجة مُرضية، يصبح التعب نفسه مُرضيًا، بل ذا نكهة خاصة؛ نكهة الإنجاز، وإتمام العمل، والشعور بأن الجهد لم يذهب سدى.
وصف هاندكه في مقالته تسلسل الأعمال وتنظيم الوقوف في خط الإنتاج؛ كل شخص يعرف مهمته، رجالًا ونساءً وأطفالًا. لا أحد يغادر موقعه، ولا أحد يغفل عن دوره. كل يد تعرف ماذا تفعل، وكل شخص يعرف أن عمله، مهما بدا صغيرًا، جزء من الصورة الكبيرة.
وهنا تكمن إحدى أجمل مزايا العمل الجماعي: أن يخفّ العبء عن الواحد حين يتقاسم الناس الجهد. لا يعود العمل حملًا على كتف فرد، بل يصبح مسؤولية موزعة بين الجميع. ومع توزيع الجهد تتحسن الكفاءة، وتتسارع وتيرة الإنجاز، ويصبح ما كان يبدو شاقًا على الواحد ممكنًا على الجماعة.
ولابد أنه كان بينهم قائد يعرف كيف ينظم هذا الجهد؛ شخص يرى مواطن القوة لدى كل فرد، ويعرف كيف يضع كل واحد في المكان الذي يستطيع أن يعطي فيه أفضل ما لديه. فليست الجماعة مجرد عدد من الأشخاص يعملون معًا، وإنما هي أدوار متكاملة، تحتاج إلى من يحسن ترتيبها وتوجيهها نحو غاية واحدة.
ثم يأتي آخر النهار. يجتمع الجيران من جديد، ولكن هذه المرة لا يجمعهم العمل، بل يجمعهم التعب. يتسامرون، بعضهم يتحدث وبعضهم يصمت، وقد أنهكهم يوم طويل، لكنهم يجلسون معًا وكأن التعب نفسه أصبح لغة مشتركة بينهم.
وهنا ربما تكون أعظم فوائد العمل الجماعي: أنه لا ينجز العمل فحسب، بل يصنع العلاقات أيضًا. فالناس حين يعملون من أجل هدف واحد، ويتقاسمون مشقة الوصول إليه، تتولد بينهم روح مشتركة. يشعر كل فرد أنه ليس وحده، وأن جهده له معنى، وأن ما يفعله يضيف شيئًا إلى جهد الآخرين. ومن هنا ينشأ التعاون، ويتولد العطاء، ويصبح النجاح الذي يصل إليه أحدهم نجاحًا للجميع.
أتأمل حال الطفل بيتر -الكاتب- ، وكيف ظلت هذه الصورة الصافية عالقة في ذهنه. مرّت السنوات، وكبر الطفل، لكنه لم ينسَ ذلك المساء في المزرعة؛ لم ينسَ التعب، ولا الغبار، ولا القش، ولا اجتماع الجيران بعد يوم العمل. ولعل الذي بقي في ذاكرته لم يكن مشهد التعب وحده، وإنما المعنى الذي كان وراءه.
كان تعبًا متساويًا تقريبًا بين الجميع، وتعبًا مستحقًا، لأن وراءه عملًا أُنجز، وغاية تحققت، وجماعة اجتمعت على شيء واحد. ولهذا ربما استطاع ذلك التعب أن يعبر كل تلك السنوات، وأن يعود إلى ذاكرة رجل تجاوز الستين، فيستحضره ويكتب عنه.
بعض التعب يُنسى، وبعض التعب يبقى. لعل الفارق أن بعض التعب لا يحمل معه سوى الإرهاق، بينما يحمل بعضه الآخر ذكرى الإنجاز، ودفء الجماعة، والشعور بأننا كنا جزءًا من شيء أكبر منا.
إذا تأملنا هذا المعنى، فلا غرابة أن الإسلام قد حث على التعاون والعمل الجماعي، وغذّى فينا روح الجماعة، والتعاون، والشورى، والوفاق.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
وقال سبحانه على لسان ذي القرنين: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾
وفي السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»
وقوله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالجماعة».
كل ذلك يلفت أنظارنا إلى قيمة الاجتماع على الخير، وإلى البركة التي يمكن أن يصنعها التعاون حين تتحول الجهود المتفرقة إلى قوة واحدة، وهدف واحد، ونتيجة مشتركة.
فهل فقدنا اليوم ذلك التعب؟
ربما لا.
لكن صورته تغيرت.
يفتقد هاندكه، كما يقول، مثل هذا التعب في زمانه الحاضر، ويدعونا إلى أن نخرج إلى الشارع، بين الناس، لنرى ما إذا كان بعض التعب المشترك ما يزال ينتظرنا، وما الذي يمكن أن يعلمنا إياه.
وأنا أيضًا أحث نفسي وإياكم على الخروج من عزلتنا؛ أن نشمّر عن سواعدنا، وأن نتعاون، وأن نبحث عن الأعمال التي لا تكتمل إلا بالجماعة.
قد تكون صور العمل الجماعي القديمة قد اختفت، وقد لا نجتمع اليوم في موسم حصاد القمح لنجزّه مع الجيران، لكن لكل واحد منا موقعه في هذا الحصاد الكبير.
في وظيفته، في مهنته، في أسرته، في مجتمعه، وفي كل مهمة أُسندت إليه.
«كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته».
فإذا أحسن كل واحد منا مهمته، وأداها حق أدائها، وأعان غيره عليها، فقد أصبح جزءًا من عمل جماعي أكبر؛ عمل لا تظهر ثماره في يد شخص واحد، وإنما تتجمع ثماره في حياة مجتمع بأكمله.
ولعلنا، بعد يوم طويل من العمل، نحتاج أن نجلس معًا مرة أخرى.
قد لا تكون أيادينا مخدوشة، ولا أنوفنا سوداء من التراب، ولا القش عالقًا بين أصابعنا.
لكن ربما نجد شيئًا آخر.
نجد أننا تعبنا معًا، وأنجزنا معًا، وأن هذا التعب لم يكن عبئًا علينا بقدر ما كان دليلًا على أننا كنا جزءًا من شيء يستحق. فجميع تلك الأعمال هي جزء يسير من عمل جماعي كبير هو النهضة بالوطن.
تلك هي، في ظني، نكهة التعب المشترك.
مروة بصير

تعليقات
إرسال تعليق