القطيعة: كيف تغيرنا في العمق
تأليف: كلير ماران
ترجمة: د. مصطفى حجازي
إصدار: المركز الثقافي العربي
يتفق القراء على أن القراءة فعل سلام وطمأنينة؛ تعالج وتداوي، وتجعلنا أكثر هدوءًا وسكينة وتنويرًا. إلا أن هناك كتبًا بعينها تفعل العكس تمامًا؛ تهزّك في العمق، وتشعرك أنك تعرضت لنوع من «العنف»، إذ ترتطم من خلالها بأرض الواقع الصلبة. تأخذك هذه الكتب من سكينتك، وتلقي بك عاريًا بلا حماية، فتلعن الوعي الذي تشكّل معك أثناء القراءة، قبل أن تستكين له وتتقبله، ثم تدرك أهمية ما قرأت، وكيف أنارك من الداخل.
وأحد هذه الكتب هو «القطيعة: وكيف تغيّرنا في العمق» للكاتبة والفيلسوفة وأستاذة الفلسفة كلير ماران.
يخبرنا الغلاف الخلفي للكتاب أن القطيعة، أيًا كان نوعها وأيًا كانت ظروفها، «لا تمر مرور الكرام وكأنها حدث من أحداث الحياة الشائعة، إنها تترك آثارها وحتى بصماتها عميقًا في نفس كل من الفاعل والضحية على حد سواء».
أما المترجم د. مصطفى حجازي، فيقول في مقدمته إن أهمية هذا العمل، «محدود الحجم عظيم الكشف»، تكمن في أن مؤلفته تأخذنا في جولة غنية تستكشف فيها مختلف حالات القطيعة في الحياة، بألوانها وشؤونها، وخصوصًا في شجونها ومعاناتها ومآلاتها، مبرزة خفاياها النفسية والوجدانية وتحولاتها.
والقطيعة، كما تقاربها ماران، ليست مجرد انفصال أو هجر أو افتراق؛ إنها الحالة الأشد أثرًا على الصعيد الوجودي. هي انقسام شيء إلى جزأين أو أكثر، وتمزق وانكسار وتفتت تحت تأثير قوة ما، بحيث لا يعود الوضع بعدها كما كان.
يأتي الكتاب في أحد عشر فصلًا، تتناول الكاتبة في كل منها نوعًا من أنواع القطيعة، وتغوص في تحليله بأسلوب سهل ممتنع، لكنه عميق بكل تأكيد. ومن موضوعاته: الإخلاص المستحيل للذات وللآخرين، ولذة التشتت، والولادة والانفصال، والقطيعة مع الأسرة، وغيرها.
عنف هذا الكتاب يتجسد في حقائقه، وفي قدرتها على أن تضعك أمام نفسك بين السطور؛ أن تكشف لك جوانب خفية منك، أو مما يعيشه المحيطون بك، دون أن تكون قد عرفت له اسمًا أو تشخيصًا أو حتى وعيًا واضحًا به. إنما كنت تعاني آثاره، في صورة أزمات تمس كيانك النفسي والوجودي كله.
ومن الصعب حصر هذا الكتاب في مراجعة، أو إبراز فصل دون غيره. إنه كتاب يُقرأ مرة ومرتين، ويُعاش معه حتى يستقر في الوعي. ولا أنصح بقراءته ما لم يكن لدى القارئ قدر كافٍ من الاستعداد النفسي لمواجهة ما قد يفتحه داخله. وقد تناولت هنا بعض الأفكار التي استوقفتني بين أسطره، وحاولت مقاربتها لواقعنا المعاش.
نعمٌ صغيرة
في الكتاب فصل بعنوان «الكائن المصاب بحادث»، تتحدث فيه كلير ماران عن الإنسان حين يتعرض لإصابة بدنية ويفقد معها، مؤقتًا أو كليًا، طرفًا من أطرافه. فالقطيعة هنا لا تقع بين الإنسان والعالم فحسب، وإنما تنشأ داخله قطيعة مع الجزء المصاب، تعرقل حياته وتقيده.
تقول الكاتبة: «يحوّل السقوط الشخص كله إلى كائن هش، ويفتقر إلى الثقة بكيانه، إنه يخسر جسده الذي هو بمثابة الحليف الذي يعتمد عليه».
وتطرح مثال شخص يسقط فينكسر مرفقه الأيمن، لتقول إن ما تعرض للسقوط والعطب ليس ذراعه وحدها، وإنما «كيفية الوجود في العالم، تلك الألفة والسهولة في الوجود».
تلك الألفة والسهولة في الوجود... في عام 2012 تعرضتُ لكسر مضاعف في قدمي، قيّدني وقيّد حياتي خمسة أشهر.
أذكر أنني حين تناولت هذه التجربة في أحد لقاءات نادي الخطابة، بدأت حديثي مع الجمهور بسؤال بسيط:
هل تعرفون آلية صعود الدرج؟ أعني، كيف يستطيع الإنسان صعود الدرج أو السلم؟
قد يبدو السؤال بديهيًا جدًا. يضع قدمًا على الدرجة الأولى، ثم يرفع الثانية إلى الدرجة التي تليها، وهكذا. لكن الأمر ليس بهذه البساطة في الحقيقة. إنه يتطلب قوة بدنية وتوازنًا وإشارات عصبية ترسل من الدماغ إلى الأطراف لتتحرك، وكل ذلك يحدث في ثانية أو أقل، دون أن نشعر به. بل إن الأمر من الصعوبة بحيث يحتاج الطفل إلى أن يتدرب عليه مرارًا حتى يتقنه.
وحين نصاب بكسر في القدم أو الساق، يصبح هذا الفعل اليومي المعتاد صعبًا جدًا، وربما مستحيلًا في بعض الحالات. وكذلك في حالات استخدام الأطراف الصناعية، يخضع المصاب لتدريب وتأهيل مكثف حتى يستعيد قدرته على الحركة.
بالنسبة إليّ، كان صعود الدرج تحديًا كبيرًا في كل مرة أذهب فيها إلى مراجعة الطبيب؛ فقد كنا نسكن في الطابق الثالث من عمارة بلا مصعد.
أن تحدث قطيعة مع جزء منك، وأن تستبدله بعكاز، أمر له وقع قاسٍ على النفس. تشعر بعبء الجزء المصاب مضاعفًا كلما اضطررت إلى الحركة، وكأنه لم يعد جزءًا منك.
عنونت حديثي آنذاك بـ«نعمٌ صغيرة». تحدثت فيه عن النعم الصغيرة الكثيرة التي تملأ فجوات حياتنا، ولا ننتبه إليها إلا حين نفقدها تمامًا ونجرب نقيضها.
ولعل الحوادث تأتي لتعلّمنا بعض هذه النعم، بل قد تكون سبيلًا لنعرف وجهًا من وجوه هويتنا: أترانا صبورين؟ هل لدينا قوة احتمال؟ وقد تتيح لنا أن نتلمس معنى من معاني الوجود.
تقول الكاتبة: «تحويل الحادث إلى تجربة يتعين التفكير فيها، وتحويل الألم إلى تجربة مولدة للمعنى. فكل من يعاني من ألم يطمح أن يستوعب الأمر ويدرك أنه لم يتألم عبثًا».
كم من كارثة كانت سببًا في انطلاقة وتغيير كبير في الحياة، وكم من إصابة قيّدت الحركة لكنها فتحت آفاقًا للإبداع، وكانت درسًا وعبرة.
وحتى إن غابت عنا المعاني أحيانًا، فلنتذكر أن حتى الشوكة يشاكها المؤمن يؤجر عليها، ولننغمس في تدبر نعم الخالق علينا، ونؤدي شكرها حمدًا لله وتسبيحًا.
الصمت
يكثر الحديث عن الصمت العقابي وأثره النفسي البالغ فيمن يُمارس عليه، أيًا كانت طبيعة العلاقة.
والصمت العقابي ليس هو الصمت الذي يحدث بعد الجدال والخلاف والأخذ والرد؛ فهذا النوع من الصمت أراه علامة صحية، بل وأمرًا لازمًا أحيانًا، حتى نراجع ما قيل، ونصل إلى مكمن الخطأ قبل استئناف النقاش.
الصمت العقابي يحدث فجأة، أو بعد «خطأ» غير واضح للطرف المخطئ. يصمت أحد الطرفين ويترك تأويل هذا الصمت للطرف الآخر. وهنا تكمن المشكلة، ويكمن العنف.
تُفتح أبواب جحيم التأويلات، وتكثر الوساوس والشكوك في العلاقة وفي الذات، وقد يصل الأمر إلى حدوث قطيعة في العلاقة وانطفاء الحب. وقد يُستخدم هذا الصمت وسيلة ضغط لتحقيق رغبة أو انتزاع أمر يصعب تحقيقه بالكلام.
وفي الكتاب، تذكر كلير ماران مثالًا على قطيعة حدثت بسبب هذا الصمت، من خلال رواية وليام في كتاب «الأسى». يقول:
«كان ذلك صباح اليوم التالي، حيث وجدت أمي في المطبخ، حين حدثت قطيعتي معها...»
ثم تصف الكاتبة كيف لم تعد الأم تستدير إليه أو تنظر إليه، وكيف تحوّل الصمت إلى جدار يفصل بينهما.
وتعلق ماران على المشهد بأن الكلام لم يكن هو ما فجّر القطيعة، وإنما غيابه؛ فالصمت هنا فاعل، يلغي الابن ويكرّس العنف. إنها قسوة ما لم يُقل وما لم يُفعل. فالكلمات والحركات التي لم يتم التعبير عنها، وفراغات الصمت التي لا تُحتمل، قد توقف العلاقة، وتدمر أحيانًا أكثر مما تفعله الشتائم ذاتها.
إن غياب التواصل عنف فظيع. ومع تراكم خيبات هذا النوع من العقاب، والكسر المتتالي الذي يحدث في القلب بسببه، يموت الحب، وتنقطع أواصر الود، وربما تنتهي العلاقة كلها.
وبقدر ما تثير هذه الحقيقة في النفس من ألم أو قلق، فهي دعوة إلى الوعي: أن نتوقف عن ممارسة هذا النوع من الصمت، وأن نتوقف أيضًا عن السماح بأن يُمارس ضدنا.
«وجعلنا نومكم سباتًا»
النوم، في المطلق، ضرورة جُبل الإنسان عليها. لكن النوم ليلًا تحديدًا أحد النواميس التي يؤدي اختلالها المستمر إلى اختلال توازن الإنسان واستقراره.
وجاء في تفسير السعدي للآية: «سباتًا»، أي راحة لكم، وقطعًا لأشغالكم التي متى تمادت بكم أضرت بأبدانكم.
في كتاب «القطيعة» مقاربة جميلة لأهمية النوم ليلًا، وخطر الأرق. تقول الكاتبة: «الأرق الذي يؤذي الكائن الحي وينتهي بالقضاء عليه. الأرق هو استحالة الاسترخاء والعجز عن النوم، الأرق يقتلنا ببطء».
في حالات القطيعة والفقد قد نسهر مرغمين؛ لأن أذهاننا ترفض الانطفاء، وترفض التسليم لهذا القدر الذي حل بنا. نظل مستيقظين ليوم أو أكثر، في أسى لا ينقطع.
لكن ما إن ترضخ أجسادنا لضرورة النوم، حتى تكون تلك ربما إحدى أولى مراحل العزاء النفسي لنا.
فإن كان الجسد يرتاح بالنوم والسبات العميق، فإن الذهن أيضًا يحتاج إلى هذه الراحة؛ إلى أن ينقطع التفكير وتتوقف الذاكرة عن تحريض الألم.
النوم ليلًا، كما تقول الكاتبة، هو «القبول بالغياب عن المسرح من خلال نسيان اليوم السابق»، وغياب الوعي عن هموم الذات هو ما يحتاج إليه الوعي الحي كي يجابه تحديات الأيام المقبلة.
ومن خلال هذا الحد الفاصل الذي يتيحه النوم، ننهض أكثر استعدادًا وقوة لمواصلة السعي في الحياة.
أنت... وأنت ونفسك
في الفصل الرابع، تسأل الكاتبة:
«ألسنا مصنوعين من سلسلة من القطائع الصغيرة، ومن تلاصق هويات لا رابط بينها تختلط فيما بينها تبعًا للظروف؟»
وفي كتاب «اختفاء الذات عن نفسها» يذكر الكاتب أن أحد أسباب اختفاء الذات وتغييب هويتها هو إكراهات هذه الهوية وما تفرضه من قيود على الشخص.
وخلصت، بعد قراءة الكتابين والتفكير فيهما، إلى أن الإنسان يمتلك طيفًا هوياتيًا متعددًا؛ شخصيات وأدوارًا متراكبة: الشخص نفسه بوصفه أبًا أو زوجًا أو مديرًا أو صديقًا أو ابنًا... إلخ.
والسماح لهذه الهويات المتعددة بالظهور، كل منها في سياقها، من الأمور الصحية نفسيًا واجتماعيًا.
ثمة لذة كامنة في ألا نُحصر في هوية واحدة نتصرف بناء عليها في كل الأدوار. بل ربما تكون حاجة عميقة في النفس البشرية أن نكون عدة أفراد مختلفين؛ كي نستريح من الأول وأعبائه، من خلال وجودنا في الثاني.
فالمدير الصارم الذي تقع على عاتقه مسؤوليات كبيرة، يحتاج أن يتخفف منها ويرتدي ثوب الأب الحنون ليلعب مع أطفاله. والإنسان الجاد في عمله قد يحتاج إلى أن يكون خفيفًا مع أصدقائه. والكاتب قد يحتاج إلى أن يخلع عن نفسه عباءة الكاتب حين يعيش حياته اليومية.
الفرصة والحدث يجعلان المرء يصبح آخر، من دون أن يُحكم عليه بالتلون أو التشتت.
إن فكرة تعدد الذات، أو تعدد الهويات، ليست جديدة؛ فقد شغلت الفلسفة زمنًا طويلًا. وفي هذا السياق تشير الكاتبة إلى برغسون وما يراه من التعب والتوتر المتولد عن محاولتنا أن نكون الشخص نفسه على الدوام، وما يفرضه ذلك من إرهاق على الوعي الذي يراقب الأنا ويحاكمها ويحاول باستمرار أن يتصرف وفق هوية واحدة يظن أنها تمثله دون غيرها.
وبينما كنت أتأمل هذا الفصل، الذي أسمته الكاتبة «لذة التشتت»، لم أرَ في هذا التشتت تشتتًا بالمعنى الذي نفهمه عادة، بل رأيت خفة في أن تكون أنت، بكل هوياتك، في تناغم وانسجام.
تذكرت طفلة كانت تلعب طوال يومها بشخصيات متعددة: الأم حين تحمل دميتها، والمعلمة حين تشرح، والفنانة حين ترسم، والرياضية حين تقف حارسة للمرمى أو تركض في سباق.
تقول الكاتبة: «وبمقدار ما نتقدم في الحياة، نرمي وراء ظهورنا العديد من الشخصيات الممكنة»، في إشارة إلى خفة الأطفال وتصالحهم مع الهويات العديدة التي يحملونها.
ويقول برغسون إن الفنان أو الشاعر أو الروائي هو الإنسان القادر على إسباغ الحياة على الشخصيات التي يحملها، من خلال تحويلها إلى أعمال أدبية أو فنية يعيش من خلالها تلك الشخصيات، دون أن يضطر إلى التخلي عنها تمامًا لصالح شخصيات أخرى.
ويطرح سؤالًا يستحق التوقف عنده: إذا كان الفنان قادرًا على إخراج هذه الشخصيات من ذاته وتجسيدها في عمل فني، فلماذا لا نكون قادرين على تجسيد الحد الأدنى منها في حياتنا؟
إن السماح لهويات الإنسان بالظهور يخفف من التوتر الذي يثيره السعي لأن يكون «ذاته» طوال الوقت، ويساعدنا في مقاومة إغراء الجمود، وألا نغرق في نمط وجود ضيق قد لا يعود علينا بالحيوية ولا يسمح لنا بالاستمتاع بوجودنا.
أن تسمح لهوياتك بالظهور في سياقاتها ليس تشتتًا ولا تضاربًا، وإنما اتساق وتعايش. فهذه الهويات تتساند وتتداخل وتغذي بعضها بعضًا.
ولعلنا حينها لا نخسر الطفل الذي كنّاه، وأن يكون «لدينا كل الأعمار في كل لحظة»، كما يقول غروديك.
فنحن، في النهاية، دمية روسية تتضمن سلسلة من الدمى المتداخلة التي عشناها وكناها على مر الأيام.
تأمين وضمان
منذ أن عرف الإنسان أن وجوده محفوف بالمخاطر، لجأ إلى طقوس ووسائل مختلفة تمنحه شعورًا بالأمان: صنع التمائم، وكتب السحر، وعلّق آماله بالنجوم والكواكب، وحاول أن يربط الحوادث بمقدمات ومآلات لا علاقة حقيقية بينها، كي يتجنبها مستقبلًا.
فتشاءم من المرور تحت السلم، ومن الرقم 13، ومن نعيق الغراب ورؤية البوم.
وجاءت الأديان لتقدم له أبوابًا من الطمأنينة في صورة أذكار وأدعية وتحصينات، مع شرط أساسي هو أن يكون التعلق بالله لا بهذه الوسائل في ذاتها. لكن الإنسان قد ينقل تعلقه من الخالق إلى الطقس نفسه؛ فما إن يصاب بمصاب حتى تهتز ثقته، ويسائل نفسه عن جدوى ما كان يفعله، أو يسأله المحيطون به: هل تحصنت؟
في هذا الكتاب العميق، يأتي فصل بعنوان «فسخ العقود»، تتحدث فيه الكاتبة عن أثر تكرار الحوادث والمصائب في يقين الإنسان؛ إذ قد يقيم في داخله ما يشبه عقدًا ضامنًا مع الإله، بحيث يظن أن التزامه بما يعتقد أنه يضمن له السلامة ينبغي أن يعفيه من الألم والمصائب.
وما إن تحل الكارثة حتى يُفسخ هذا العقد الوهمي، فيشعر الإنسان بالغبن: لماذا يحدث هذا معي رغم تحصيني؟ رغم صلاحي؟ رغم كل ما فعلت؟
تقول الكاتبة، عند حلول الكارثة: «يتصدع شيء فينا، وهو شيء يمس نظام العالم، ولسؤال معنى وجودنا، وكذلك سؤال العدل والظلم».
وهنا يصبح الألم اختبارًا ليس فقط لقدرتنا على الاحتمال، وإنما للصورة التي نحملها عن العالم وعن الله وعن أنفسنا.
وقد يثوب بعضنا إلى رشده بعد اهتزاز يقينه، بينما يظل آخرون تحت سيف الخوف القاطع، يتربصون بأصغر إشارة تهديد محتملة.
ولعل القارئ يتساءل: لماذا أثير مسألة كهذه؟
الحقيقة أن هذه المسألة تختبر إيمان المسلم. تفكر معي: هل نعقد في داخلنا عقودًا وهمية، فنشعر أن سلامتنا ونجاتنا ونجاحنا مشروطة بحسن تعبدنا؟ هل نتعلق بعبادتنا أم بخالقنا؟ وهل إذا أصابنا مكروه نسترجع ونسلّم، أم نتحسر ونسأل: لماذا أنا؟
الواقع هو ما نرتطم به، أما الضمانات الأبدية فليست من طبيعة هذه الحياة.
علينا أن نتعلم السير فيها من غير ضمانات مطلقة، موقنين بالله وحده وباليوم الآخر، وأن الأمان الكامل هناك، في جنته.
وأن نؤمن بأن لله فينا شؤونًا وحكمة، وأن ما يصيبنا مكتوب ومقدر، وأن الأذكار والتحصينات عبادة لله، وقد تكون سببًا في دفع شر أعظم، لكنها لا تعني أن الحياة ستخلو من الكدر.
فالحياة لا تخلو من أقدار موجعة، وما يصيب المؤمن من ألم قد يكون تكفيرًا أو زيادة في الأجر، أو بابًا لا نرى حكمته في لحظته.
فلندع الأمور تجري في أعنتها، ونمضي ونحن نؤمن بمن يدبّرها.
خاتمة
لم ينتهِ الكتاب داخلي بعد.
وما زال تفاعلي معه يعتمل بصور شتى. ولعل هذا هو أجمل ما يمكن أن يفعله كتاب: ألا ينتهي حين نغلق صفحته، وإنما يبدأ حين نغلقها.
«القطيعة» كتاب نير، يستحق القراءة والاحتفاء بفكرته ومشكلته النفسية والفلسفية العميقة. وهو من الكتب التي لا تمنحك إجابات جاهزة بقدر ما تجعلك تعيد النظر في أسئلتك القديمة.
في عصرنا المتسارع، الذي يغرق أكثر فأكثر في صور مختلفة من الفردانية والوحدة، حتى يكاد الإنسان يُعزل أحيانًا عن نفسه، يأتي هذا الكتاب ليعيد شيئًا من الصلة بين الإنسان وذاته، وبين تجربته وما عجز طويلًا عن تسميته.
تقرأه فتجد أن بعض ما حسبته اضطرابًا فيك كان أثرًا لقطيعة، وأن بعض ما ظننته ضعفًا كان محاولة للتكيف مع انكسار، وأن أشياء كثيرة عشتها دون اسم كانت تترك أثرها فيك بصمت.
وربما لهذا كان عنف الكتاب ضروريًا.
إنه لا يطمئنك دائمًا، لكنه يفهمك.
وأحيانًا، أن تجد من يفهم ما يحدث في داخلك، هو شكل عميق من أشكال العزاء.
مروة بصير

تعليقات
إرسال تعليق