نلتقي، فتنتهي المجاملات سريعاً، وتثقل المجالس بركود صمتٍ قصير، فنسارع غريزياً إلى ملء هذا الفراغ بقرابين من لحوم الآخرين. نفتح سيرة فلان، ونشرح خيارات فلانة، ونوزع صكوك الحكمة والدراية يمنة ويسرة، في طقس اجتماعي لا واعي نطلق عليه زوراً وتخفيفاً اسم "التسلية"، بينما هو في جوهره "الغيبة" بعبثيتها الكاملة وعوراتها الفكرية.
إن العبثية الأكبر في هذا الفعل لا تكمن فقط في كونه هَدْراً أخلاقياً، بل في تلك الغطرسة الفكرية التي نمارسها دون وعي؛ إذ ننصب من أنفسنا قضاةً، ونحكم على خيارات الآخرين ومصائرهم انطلاقاً من "منظورنا نحن"، ومعاييرنا الخاصة، وتجاربنا المحدودة. ننظر إلى قراراتهم ونردد بفضولٍ بارد وكبرياءٍ زائف: "كيف قبلت بكذا؟"، "لماذا تزوجت فلانة من فلان؟"، أو "لماذا لم تنفصل عنه حتى الآن؟".
المشكلة الحقيقية أننا نقيس قراراتهم بناءً على ما كنا سنفعله في حياةٍ لم نختبرها قط، وندوبٍ لم تُطبع على جلودنا أبداً. نحن لا نعرف شيئاً عن دوافعهم الحقيقية، ولا عن طفولتهم، ولا عن ذكرياتهم المنسية، ولا حتى عن عُقدهم النفسية التي تشكلت في بيوتٍ لم نعش فيها يوماً. نرى النتيجة النهائية فقط، ونغفل تماماً عن "السياق" الكامن وراء الستار.
وهنا تحديداً تتجلى القيمة الحقيقية للقراءة، والثقافة، والاطلاع. الثقافة ليست ترفاً معرفياً، بل هي الأداة التي تكسر زجاجة أنانيتنا الفكرية لترينا العالم بعيون الآخرين.
في كتاب "لماذا بقيتُ؟ آليات السيطرة العاطفية" للدكتورة آن كوتيلد زيغلر، والذي أقرأه حالياً، تتفكك هذه المعضلة بوضوح شديد. تأخذنا الكاتبة إلى عمق المعركة النفسية التي تعيشها ضحايا العلاقات النرجسية والمؤذية، وتكشف لنا عن آليات السيطرة المعقدة التي تجعل "البقاء" خياراً إجبارياً ومؤلماً للضحية لسنوات طويلة.
هذا الكتاب، وأمثاله من المؤلفات الرصينة، يمدنا بالوعي البديل؛ يرينا حجم الابتزاز العاطفي، وتدمير تقدير الذات، والخوف الصامت الذي يكبّل هؤلاء الأشخاص. يجعلنا ندرك أن طلب الانفصال والخروج من تلك العلاقات ليس مجرد قرار يُتخذ في لحظة غضب، بل هو معركة شرسة وضارية تحتاج إلى شجاعة استثنائية ودعم حقيقي، لا إلى همسات ساخرة في مجالس الغيبة.
حين نقرأ ونثقف أنفسنا، نتحول من منتقصين إلى متعاطفين، ومن قضاةٍ جلادين إلى بشرٍ متفهمين. ندرك أننا لا نملك الحق ،ولا الأهلية المعرفية، لتفسير صمت الآخرين أو لوم انكساراتهم.
إن أكثر الناس تفهماً واستيعاباً في هذه الحياة ليسوا أولئك الذين يفترضون أنهم يملكون إجابات لكل شيء، أو يظنون أنهم يفهمون كل الدوافع، بل هم أولئك الذين يملكون من التواضع الفكري والإنساني ما يكفي للاعتراف بأنهم لن يفهموا تجارب غيرهم بالكامل أبداً؛ لأنهم ببساطة لم يعيشوها.
المعادلة الإنسانية في نهاية المطاف واضحة وبسيطة، ولا تقبل الصفقات الرمادية: أيها الإنسان، إما أن تتثقف وتتسع مداركك لتنضم إلى زمرة هؤلاء المتواضعين العقلاء... أو أن تصمت، وتكف فوراً عن إطلاق الأحكام.
مروة بصير


تعليقات
إرسال تعليق