عبء البصيرة وعزلة الصمت



رواية العمى – كتاب مذكرات العمى – فيلم كودا







    ثمة سؤال فلسفي قديم: أيهما أشد وطأةً وأثرًا؛ فقد السمع أم فقد البصر؟

    هذا نقاشٌ قد خضته ذات مرة، وقد انحزتُ بصلابة لإجابة واحدة: فقدان السمع هو الأصعب بلا شك. كنت أرى أن السمع هو البوابة الأولى لالتقاط المشاعر والتعبير عنها، والحاسة البكر التي تُحرّك نبض القلب وتُشكّل وعيه، بينما البصر ليس سوى جدار الأمان المادي والشعور بالمحيط الخارجي. ولعل مقولة الفيلسوفة والكاتبة الصماء العمياء الشهيرة هيلين كيلر تختزل هذا التصور بدقة حين قالت: "العمى يعزل المرء عن الأشياء، أما الصمم فيعزل المرء عن البشر". فالسمع هو حاسة التواصل الإنساني والاجتماعي الأولى؛ به نلتقط نبرات الحنان الخفية، وعبره نترجم مشاعرنا كلامًا، وغيابه يبني حول المرء سياجًا من عزلة نفسية واجتماعية حادة وصامتة.

    لم يكن رأيي هذا وليد ترف فكري، بل نبت من رحم تجربة إنسانية حية وخاصة؛ مع قريبة لي تصغرني سنًّا، أصيبت بالصمم منذ الطفولة. إن تفاعلي معها، وإحساسي المتكرر بعزلتها القاسية في التجمعات العائلية، حين ينفجر الجميع بالضحك فجأة فتعلو وجهها نظرة دهشة حائرة، ومحاولاتي الهزيلة والملحة لإشراكها في الحديث؛ كل ذلك جعلني أتبنى هذا الرأي وأدافع عنه بضراوة آنذاك.

    تأكد لي هذا المعنى حين شاهدتُ فيلم "كودا" (CODA) الحائز على جائزة الأوسكار 2021، والذي يروي قصة "روبي"، الفتاة الوحيدة التي تسمع وتتكلم في عائلة من الصم والبكم. تعيش روبي ممزقة بين دورها كحلقة وصل ومترجمة لعائلتها التي تعتمد عليها كليًا، وبين شغفها الشخصي بالغناء ومستقبلها الموسيقي. في مشهد الحفلة المدرسية العبقري، تصعد روبي لتغني، وفجأة ينقطع الصوت تمامًا في الفيلم؛ لينتقل المخرج بكاميرته إلى منظور عائلتها الصماء. في تلك اللحظة، نرى روبي تحرك شفتيها والجمهور يبكي ويتأثر في "صمت مطبق"، بينما يتلفت الوالدان حولهما يمينًا وشمالًا، يرقبان أعين الناس وتصفيقهم ليخمّنا جودة صوت ابنتهما. إنه مشهد استثنائي يجبر المشاهد على أن يختبر، ولو لثوانٍ، عزلة الصمم المرعبة وسط صخب العالم. 

    هنا تكمن القيمة الحقيقية للأدب والفن؛ في تدخلهما غير المباشر لإعادة تفكيك آرائنا ومسلّماتنا، ومنحنا حيوات وتجارب تفوق طاقاتنا البيولوجية المحدودة.

    تشجعت مؤخراً بفكرة القراءة الجماعية في "صالون ضاد"، أن أمزق التغليف أخيرًا عن رواية "العمى" التي ظلت تنتظرني بصبر على رف مكتبتي لقرابة ست سنوات. ولم يؤجل قراءتها سوى حماس صديقتي "إيناس" المتواصل في الحديث عنها؛ إذ لا أحب قراءة أي عمل أدبي تحت تأثير انطباعات مسبقة.

    ورواية "العمى" هي التحفة الأدبية للروائي البرتغالي الحائز على جائزة نوبل، جوزيه ساراماغو. صدرت عام 1995 لتصبح واحدة من أشهر الروايات الفلسفية والديستوبية في الأدب الحديث. تحكي القصة باختصار عن عمى جماعي غامض يصيب سكان مدينة مجهولة؛ يبدأ بفرد واحد ثم يتفشى كالنار في الهشيم، مما يدفع الحكومة لعزل المصابين الأوائل في محاجر صحية مهجورة. لكن الوباء سرعان ما يجتاح الجميع، فتنهار الدولة، وتسقط معها كل النظم الاجتماعية والقيم الإنسانية.

    عنصر الالتفاف العبقري في الرواية -plot twist- يكمن في وجود امرأة واحدة فقط -زوجة الطبيب- لم يصبها العمى، لتصبح هي "الضمير الحي الشاهد" على تلك المأساة المروعة. تنتهي الرواية بنهاية شبه مفتوحة، وتتميز بأسلوب سردي فريد؛ حيث جرّد الكاتب شخوصه من الأسماء مكتفيًا بصفاتهم العامة، ودمج الحوارات داخل النص دون علامات ترقيم أو فواصل تقليدية، ليلتبس الأمر على القارئ ويتوه بين السطور، وكأن الكاتب أراد أن يذيقنا نحن القراء طعم العمى؛ فلا نعرف مَن يتحدث بالضبط لأننا ببساطة لا نراه.

    وقد تقاطعت هذه الرواية الفلسفية في عقلي مع كتاب قرأته قبل مدة، وهو "مذكرات العمى: رحلة عبر الظلام" لجون هال، الصادر عن دار "أدب" بترجمة د. شريف بقنة. هذا الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية تقليدية عن فقدان البصر، بل هو حوار معرفي لا يهدأ، كان يجري في عقل أستاذ علم اللاهوت الذي فقد بصره تدريجيًا حتى الاعتام الكامل.

    يعكس الكتاب التحول الإدراكي الذي يمر به الإنسان حين يفقد إحدى حواسه، ويطرح أسئلة فلسفية ووجودية عن المعنى، والرؤية، والذات. إنه كتاب شاهق البناء، يستخدم لغة تأملية مليئة بالصور والمجازات والأحلام الحية ليصف العبور من عالم الضوء إلى عالم الأصوات، ومن النظر إلى الإصغاء. يكتشف "جون هال" أن الظلام ليس فراغًا عاتمًا، بل هو امتلاء مختلف؛ عالم يفيض بالحواس الأخرى، حيث يغدو دفء الشمس على وجهه، وملمس الأثاث، ذاكرة جديدة ليرسم بها محيطه.

    المثير للدهشة هو التماس البصري بين العملين؛ فرغم أن جون هال يؤكد في مذكراته الواقعية أن العمى ليس ظلامًا، بل هو "بياض"، فإن هذا الوصف يلتقي بعبقرية مع خيال ساراماغو، حيث كان العميان في روايته يرون بياضًا ساطعًا لا متناهيًا، بحرًا حليبيًا جارفًا، على عكس العمى التقليدي.

    لكن المفارقة الصادمة تكمن في السلوك البشري؛ فبينما جاهد جون هال في مذكراته للتكيف مع محيطه، وحارب بضراوة لئلا يفقد إنسانيته، سرعان ما سقطت القشرة الحضارية الرقيقة عن عميان ساراماغو، وانغمسوا في بهيمية وجشع وأنانية مؤلمة. كان هذا الانحطاط السريع يؤرق زوجة الطبيب، المرأة المبصرة الوحيدة، ويجعلها تعاني الأمرّين، حتى تمنّت في لحظات يأس لو أنها تعمى مثلهم لتتخلص من عذاب الرؤية.

    نفهم من شخصية زوجة الطبيب أن الرؤية في عالم أعمى ليست ميزة، بل هي عقوبة وعبء أخلاقي يمنع صاحبه من إغماض عينيه عن الحقيقة؛ وهذا تحديدًا ما يعيدنا لسؤال جون هال المؤرق: هل نحن نرى فعلًا حين نبصر؟

    قبل سنوات، وفي غمرة جائحة كورونا، شهدنا نحن في عالمنا الحديث والمتحضر نماذج حية من هذا الجشع البشري، في المجتمعات الغربية غالبًا. فما رأيناه على منصات التواصل من مشاهد التهافت الأناني لاقتناء السلع واحتكارها في بداية الجائحة، يشبه تمامًا الصراع الوحشي على الوجبات الشحيحة داخل الحجر الصحي في الرواية. لقد أثبتت الجائحة الواقعية ما ذهب إليه ساراماغو في خياله: القشرة الحضارية التي تغلف المجتمعات رقيقة جدًا، والخوف من المجهول كفيل بتحويل التضامن الإنساني إلى غريزة بقاء بدائية في لمح البصر. وهنا يكمن جمال وعظمة هذا العمل الأدبي؛ في قدرته الفائقة على التقاط تلك العورات الإنسانية الدقيقة وتحويلها إلى ديستوبيا مرعبة.

    وفي الرواية محاولة عميقة لاختبار إيمان البشر؛ ففي أحد المشاهد الأخيرة الفاصلة، تدخل زوجة الطبيب كنيسةً وترى العصابات البيضاء قد وُضعت على أعين التماثيل المقدسة كلها، فتهلع وتصرخ معلنةً ذلك، ليدبّ الذعر في قلوب العميان الذين هبّوا يتلمسون التماثيل ويتأكدون من عمى رموزهم، قبل أن يفروا من الكنيسة في رعب جماعي. وأرى أن اختيار كنيسة لتحوي هذا المشهد، وليس متحفًا مثلًا، فيه إسقاط على انهيار الملاذ الأخير للإنسان في مصيبته حين تسقط كل دفاعاته وينهار عالمه تمامًا.

    وببصيرة نافذة، أراد ساراماغو أن يخبرنا بأن الكوارث والفظائع الإنسانية يكفيها شاهد واحد ذو ضمير حي ليرويها ويصدقها العالم؛ لكنه، في الوقت ذاته، يضعنا أمام حقيقة حزينة: هذا الشاهد، مهما بلغت يقظة ضميره وعيونه، لا يملك القدرة على منع الانحطاط؛ فالبناء الاجتماعي والأخلاقي حين يسقط، لا تستطيع ذراع فرد واحد أن تحميه من الانهيار.


    في النهاية، هل تغير رأيي القديم حول المفاضلة بين فقد الحواس؟

    أدركتُ الآن أن الحواس هي قنوات الروح للاتصال بالكون، وفقدان أي منها مؤلم ومقيد بأسلوب مختلف. لكن العمى أو الصمم الحقيقي والمرعب ليس بيولوجيًا، بل هو الذي يصيب "الضمير"؛ حين يملك الإنسان سمعه وبصره كاملين، ولكنه يختار طواعية ألا يرى معاناة الآخرين، ويغلق أذنيه كي لا يسمع صراخهم.

    ويبقى عزائي ورأيي الثابت هو حبي الخالد للأدب والفن؛ هذان الساحران اللذان يخرجان الإنسان من قوقعته الضيقة وتجاربه الفردية المحدودة ليعيش مآسٍ تاريخية، أو تجارب حية كفقدان الحواس، دون الاضطرار للمرور بمرارتها في الحقيقة. إنهما يغيران أحكامنا، ويزيدان من مرونتنا وتفهمنا للاختلاف البشري، ويحولان المعاناة الشخصية البحتة إلى لغة عالمية يفهمها ويشعر بها أي إنسان، في أي مكان على هذا الكوكب.




مروة بصير

تعليقات