* تأليف: روث أوزيكي
* ترجمة:
أ. بثينة الإبراهيم
* إصدار: دار كلمات
من عادتي حين أكتب مراجعة لكتاب ما، أن أتعامل معه ككيان مستقل ومنفصل تماماً عن كاتبه؛ إذ أكتفي بذكر اسم المؤلف والمترجم كنوع من العرفان والتوثيق، ثم أنصرف للحديث عن الكتاب بوصفه ذاتا حرة وصوتاً قائماً بذاته، فتجدني أقول دائماً: "يقول الكتاب"، أو "هذا الكتاب يجعلك تشعر بكذا". لهذا السبب بدت لي رواية «الشكل والفراغ» بديعة واستثنائية؛ لأنها تبني عالمها كله على الفكرة نفسها.
تبدو حبكة
الرواية بسيطة في قشرتها الخارجية؛ إذ يبدأ الأمر بحادث شنيع يموت فيه الأب، ليجد الابن
المراهق (بِني) وأمه (أنابيل) أنفسهما في مواجهة قاسية مع الفقد، ومحاولة التكيف مع
غيابه. لكن الحزن عادة ما يتخذ أشكالاً عدة.
تتكئ الرواية
بعمق على فلسفة "الزن" الشرقية التي تلخصها جملة سوترا القلب الشهيرة:
"الشكل هو الفراغ، والفراغ هو الشكل". الفراغ في هذا السياق لا يعني العدم
أو الخواء، بل يعني أن الأشياء لا تملك وجوداً ذاتياً معزولاً، بل تنشأ وتتغير عبر
ارتباطها العضوي بكل ما حولها، تماماً كالموجة التي هي شكل مؤقت والبحر هو أصلها.
يتجلى
هذا البُعد الفلسفي في الرواية حين يبدأ الفتى (بِني) في سماع أصوات الأشياء الجامدة
المحيطة به، لأنها في الحقيقة تحمل روح الكون وتاريخ علاقات البشر الذين صنعوها. وفي
المقابل، نرى الأم وهي تحاول جاهدة ملء "فراغ" الفقد العاطفي والنفسي الرهيب
بتكديس "أشكال" المقتنيات والمادة والمشتريات الاستهلاكية. تخبرنا الرواية
من خلالهما أن الفراغ ليس عدواً، بل هو المساحة التي تسمح للشكل بالوجود.
يتناول هذا الكتاب المرض النفسي، والاكتناز، والفقد، والمكتبات، وثقافة الزن، والثقافة الاستهلاكية، والحب... لكن هذه الموضوعات لا تبدو متجاورة أو متنافرة، بل تنصهر في نسيج روائي واحد شديد التماسك. وعلى الرغم من طول الرواية، فإنها لا تعرف الحشو ولا الترهل.
ولعل أجمل
ما في هذه الرواية على الإطلاق، هو "الكتاب" نفسه! فالراوي ومحرك الأحداث
هنا ليس راوياً عليماً تقليدياً، ولا ضميراً للمتكلم، بل هو الكتاب ذاته الذي يتحدث
مباشرة ويحكي لـ (بِني) قصته. وعندما يعترض الفتى على أن القصة لم تبدأ من البداية
المنطقية، يجيبه الكتاب بيقين لافت:
"لا
تبدأ القصص من البداية أبدًا يا بني. ...... الحياة تعاش من المولد إلى الممات، ..... لكن القصص
تُحكى بعد وقوع الأمر.."
يتحاور
الكتاب مع (بِني)، ويعيد تشكيل الأحداث بناءً على تفاعلهما المشترك. إنه يمثل هنا تلك
المساحة (الفراغ) السحرية التي تلتقي فيها كل الأشكال؛ الكيان الواعي الذي ينظم الفوضى
ويمنحها المعنى. وكما أن الإنسان يلجأ للكتاب ليجد مواساته، فإن الكتاب في هذه الرواية
يبحث أيضاً عن قارئ يفهمه ويمنحه كينونته، في علاقة صداقة تبادلية وتشاركية، مصداقاً
للاقتباس الوارد فيه:
"قدر
الكتب مرتبط بقدرات القارئ".
وهذه الجملة برأيي تقول كل ما نحبه نحن القراء عن
التفاعل الذي يحدث بيننا وبين الكتب.
بل إن
الكتاب هنا ينتبه إلى حقيقته المرنة، وحقيقة كل كتاب آخر، بوصفه كياناً سائلاً يتشكل
معناه اللامتناهي بتشكل القراء وتنوع عقولهم:
" ولأن كل قارئ فريد، كل منكم يجعل لكل منا معنى مختلفًا، بصرف النظر عما
كُتِب على صفحاتنا. لذا يصبح كتاب ما كتبًا مختلفة عندما يقرؤه قراء مختلفون"
ومع كل
هذه السطوة، يعترف الكتاب بتواضع بحدوده؛ فهو يمد يد العون لكنه لا يتخذ قرار التغيير
نيابة عنك:
«"الكتب تساعد... لكن فعل اليقظة عائد إليك."»
كما يذكرنا بأن الكتب تعرف طريقها إلينا دائماً في الوقت المناسب تماماً:
"سيمر بعض الوقت قبل أن تعود أنابيل إلى قراءة سحر الترتيب، لكن الكتب صبورة. ندرك أن حياتكم لجوجة وقاهرة، ولذا فإننا نتحين فرصتنا".
تنتهي الرواية نهاية عادية وهادئة تشبه الحياة تماماً، لأن الكتب في النهاية يجب أن تتوقف في مكان ما وتغلق دفتيها، لكنها تترك وراءها أثراً أبدياً لا يزول:
"ولكن
أهذا كل شيء حقًا؟ يجب أن نقول نحن الكتب لا، إن القصة أكثر من منتج مطروح من تجربتك
الخالصة. القصة تجربة ذاتها الخالصة. ..... سيكون للكتب الكلمة الأخيرة دائمًا،
وإن لم يبق أحد ليقرأها."
كنت غارقة
لأيام في قراءة هذه الرواية البديعة، حتى دخلت في فراغها وتشكلت بأفكارها، وأثناء
قراءتي الفصول الأخيرة غلبني النوم. ثم استيقظت في عتمة الليل، وخطر لي خاطر سريع
خشيت أن يتبدد مع شمس الصباح، فخربشت على ورقة بجواري: «سأتحدث
عن الكتب بوصفها فاعلًا حقيقيًا... كيانًا مستقلًا.» ثم عدت
إلى النوم.
وفي الصباح، حين قرأت تلك الخربشة، أدركت أن
الرواية نجحت في فعل شيء لم أتنبه إليه إلا بعد انتهائها. لقد جعلتني أتصرف وفق
منطقها، وأرى الكتب ككائنات حية حتى بعدما أغلقت صفحاتها.
ولذلك وجدتني أبتسم وأقول لنفسي:
«سيسعد هذا الكتاب حين يعرف أني كتبت عنه.»
ولم تكن تلك مجرد استعارة، بل كانت الدليل الأصدق
على أن الرواية نجحت في أن تجعلني، ولو قليلًا، أؤمن بما كانت تقوله منذ صفحتها
الأولى: أن الأشياء ليست صامتة كما نظن، وأن الكتب أيضًا لها حياة، ما دام هناك من
يفتحها، ويصغي إليها، ثم يكتب عنها.
مروة بصير

تعليقات
إرسال تعليق