بين الكوب والمسلسل: مأساة الوعي وصيرورة الفهم

 



    قبل سنوات، وُضع أمامي كوب ورقي كُتبت عليه عبارة: "كن هادئاً لتفهم الحياة أكثر". تأملتُ هذا الاقتباس الرواقي بامتياز، والذي يعكس مثالية حالمة لا تتماشى –في كثير من الأحيان– مع واقع الأيام وصخب الحياة. 

    يومها، التقطتُ صورةً للكوب، وكتبتُ معلقةً: "لا يهم إن كنت هادئاً أم بك صخب الدنيا.. لن تفهمها إلا في النهاية، وبعد مضي الوقت.. فأنت تتخطى أزمات الحياة ثم تفهمها".

    كنت أرى حينها، وما زلت، أن فهم الأزمة ونحن نخوض في خضمها هو رفاهية لا نملكها؛ فمشاعر الخوف والرغبة في النجاة تسيطران علينا تماماً، ونكون غارقين في وحل التحليل، والبحث عن الحلول، وتفكيك الأسباب الآنية. 

    وإذا افترضنا أن "الفهم" المقصود ابتداءً هو فهم الحكمة والجدوى والمعنى الكامن خلف ما يحدث، فإن هذا الفهم سيكون في الحقيقة "مكافأة التخطي". فالوعي لا يولد من "التأمل الهادئ"، إنما يولد من ندوب معارك الحياة بعد أن تلتئم؛ أو كما يعبر الفيلسوف سورين كيركغور باقتضاب: "الحياة لا يمكن فهمها إلا للخلف، لكنها يجب أن تُعاش للأمام".


    مرت الأيام، ونسيتُ العبارة، حتى جاء مساءٌ كنت أشاهد فيه الحلقة الأخيرة من مسلسلٍ ما، لتظهر على الشاشة هذه العبارة: "بمجرد أن تبدأ بفهم الأمور، ينتهي الفصل الذي تعرفه، ويبدأ فصل تجهله".

    في تلك اللحظة، لمعت صورة الكوب، وبدأ المقال يتشكل داخل عقلي كصورة بانورامية كاملة. قال الكوب: "كن هادئاً لتفهم"، فقلتُ أنا: "إن الهدوء في الأزمات مثالية تتعارض مع الواقع والزمن"، وجاء المسلسل ليعكس ذروة المأساة في الوعي البشري: أن الأزمات وفهمها –وبالتالي الحياة نفسها– هي صيرورة مستمرة لا تتوقف. عقل الإنسان، بطبيعته الوجودية، يبحث عن الاستقرار والمعرفة الكاملة ليشعر بالأمان، إلا أن الحياة ديناميكية بامتياز؛ بمجرد أن تفك شفرة مرحلة ما، تنتقل إلى مرحلة جديدة بشفرات وقوانين مختلفة تماماً.

    لكن هل تتعارض هذه المفاهيم الثلاثة؟

    في البداية ظننتها كذلك، لكنني أدرك اليوم أنها تتكامل في نسيج واحد. وربما كنت بحاجة أنا شخصياً إلى هذه السنوات، وإلى هذا الفاصل الزمني الممتد بين رؤية الكوب ومشاهدة المسلسل، لأرى الصورة الكاملة؛ لأَعبَر أنا نفسي بأزمات حاولت فهمها وأنا في قلب الإعصار ففشلت، بل وتعطل الحل كثيراً لأنني استغرقت في "محاولة الفهم" عوضاً عن "المواجهة".

    إن فهم الحياة يعني اكتساب الخبرة، واكتساب الخبرة يقتضي ألا نقف مكتوفيّ الأيدي أمام المشكلات نتأملها ببلادة محاولين استجداء المعنى ولماذا يحدث هذا لنا؟ بل يقتضي أن نشمر عن سواعدنا، ونفكك الأسباب، ونجرب، ونعافر لنعبر النهر. ثم، وبعد العبور، تأتي مرحلة التأمل الهادئ لسبر المعنى؛ وهو التأمل الذي يمنحنا –أولاً– تقديراً عميقاً لما مررنا به، ويشكل –ثانياً– مضاداً نفسياً يحمينا من تكرار الأخطاء.


    إن الوعي الحقيقي هو أن ندرك أن الحياة لا تُفهم لنستقر ونركن، بل على العكس، تُفهم لكي نتحرك ونستمر. وفهمك الكامل لمرحلة ما، ليس إلا إعلاناً بانتهاء فصلها، وبداية مرحلة جديدة تختبر فينا شجاعة السير نحو المجهول.


مروة بصير





تعليقات