هذا كتابٌ لا أذكر كيف تعثرتُ به قبل أربع سنوات،
وقرأته بنسخة PDF،
ففُتنتُ به، وما فتئتُ أبحث عن نسخةٍ ورقيةٍ منه حتى حصلتُ عليها أخيرًا من معرض
جدة الدولي للكتاب 2025، ولم أتردد في اقتنائه لحظةً واحدة.
البارحة أنهيتُ قراءته للمرة الثانية، ولم تقل
الفتنة، بل تعمقت أكثر.
كتاب "عبقرية اللغة" ليس كتابًا في قواعد اللغة أو اللسانيات، وإنما هو مجموعة مقالات حررتها ويندي ليسير، وترجمها حمد الشمري إلى العربية. يضم الكتاب خمسة عشر كاتبًا من ثقافات مختلفة، ينشرون إنتاجهم الثقافي كله، أو غالبه، باللغة الإنجليزية، رغم أن الإنجليزية ليست لغتهم الأم. وقد طلبت منهم "ويندي" كتابة هذه المقالات عن اللغة الأم، واللغة الإنجليزية المكتسبة، ولماذا اختاروها للكتابة.
إذًا، نحن أمام سير ذاتية، لكنها مروية من زاوية
تأثير اللغة في الكاتب، وفي حياته، ومفرداته، وطريقة تفكيره، ونظرته إلى الأمور.
ويطرح الكتاب أسئلة مثل:
- كيف
تؤثر اللغة الأم في هوية الإنسان؟
- ماذا
يحدث للكاتب عندما يكتب بلغة ثانية؟
- هل
تتغير شخصيته وأسلوبه ورؤيته للعالم عندما يغيّر لغته؟
- هل
يمكن للغة أن تكون وطنًا، حتى لو ابتعد الإنسان عن وطنه؟
وقد أعجبني أن الكتاب لا يقدم إجابات جاهزة، بل
يقدم تجارب إنسانية عميقة؛ سنجد كُتّابًا من أصول يابانية، وصينية، وبنغالية،
وإفريقية، وغيرها، وكل واحد يحكي علاقته بلغته الأولى، وكيف بقيت حاضرة في كتابته
الإنجليزية، ولو كأثرٍ يؤثر ولا يُرى.
في القراءة الأولى اكتشفتُ الأفكار، والكُتّاب،
وقصصهم، لكن في القراءة الثانية اكتشفتُ نفسي. وبعد أربع سنوات بين القراءتين، فمن
الطبيعي أن يبدو الكتاب مختلفًا، لأن القارئة نفسها تغيّرت.
ومن السهل لمن يعرفني أن يفهم لماذا أغرمتُ به؛
فأنا لا أنظر إلى اللغة على أنها وسيلة للتواصل فحسب، بل أعيش معها. فأنا أكتب
وأقرأ، وأؤمن بأن الكلمات يمكن أن تكون النجاة، وأن تكون الأثر. لذلك فإن كتابًا
يسأل:
ما الذي تفعله اللغة بنا؟ لا بد أن يترك أثرًا عميقًا فيّ.
وقد تذكرتُ رحلتي الخاصة في تعلم اللغة
الإنجليزية، خاصة حين مر بي هذا الاقتباس:
"في زحام هذا كله، لم أكن مدركًا فعلًا لما كان
يحدث لعقلي. كانت عملية دقيقة، وماكرة، ومستمرة؛ فقد تسللت التراكيب والمفردات إلى
وعيي بخفة وبراعة..."
ذكرني هذا الاقتباس بأول مرة شاهدتُ فيها فيلمًا
أمريكيًا بدون ترجمة، وكيف اكتشفتُ أنني أفهم كل ما يُقال فعلًا. كيف ومتى؟ لا
أذكر، لكن تلك الليلة أدركتُ أنني تجاوزتُ مرحلةً متقدمةً في رحلة التعلم.
وأظن بحق أن الوصف الوارد في الاقتباس المذكور
آنفًا يفسر تجربتي مع الفيلم الأمريكي أكثر مما يفسرها أي كتاب لتعلم اللغات.
أنا لم أستيقظ في يومٍ ما وأصبحتُ أفهم
الإنجليزية. لم يحدث ذلك في لحظة. اللغة كانت -كما يقول الكاتب- تتسلل إلى وعيي.
كل فيلم، وكل مقال، وكل كلمة، كانت تضع لبنةً صغيرة، حتى جاءت تلك الليلة التي
أدركتُ فيها فجأة:
"أنا أفهم كل شيء!" بينما
الحقيقة أن الفهم كان ينمو منذ أشهر أو سنوات دون أن أشعر.
إن تعلمي لغةً ثانية، مع عدم إغفالي لجمال وأصالة
لغتي الأم العربية، جعل تفكيري أكثر منطقيةً وإبداعًا، وأصبحتُ أجد حلولًا أفضل،
خاصة حين أفكر وأحاور نفسي باللغة الثانية.
عدا عن أنه جعلني أجد بعض الكلام الحميمي، أو حتى
الشتائم، أخف وطأةً بالإنجليزية. وهذا أيضًا يذكره كثير ممن يعيشون بلغتين؛
فالكلمات التي تعلمناها ونحن أطفال تلتصق بالمشاعر الأولى، لذلك تبقى أثقل وزنًا.
أما الكلمات في اللغة الثانية، فتصلنا أولًا كمعانٍ، ثم تلتحق بها المشاعر لاحقًا،
ولهذا تبدو أحيانًا أقل حدةً أو أقل جرأة.
ورغم أنني لم أكتب طوال حياتي سوى باللغة
العربية، فإن هناك أثرًا غير مباشر لتجربتي مع الإنجليزية؛ ليس في المفردات، وإنما
في الاقتصاد في اللغة، والجرأة على ترك فراغات للقارئ، والبحث عن الفكرة أكثر من
الزخرفة. كأن الإنجليزية وسعت طريقتي في التفكير، بينما بقي قلبي ينبض بالعربية.
وربما لهذا السبب أيضًا كان هذا الكتاب قريبًا
مني؛ فهو لا يمجد لغةً على حساب أخرى، بل يقول إن الإنسان لا يخسر نفسه عندما
يتعلم لغةً جديدة، بل قد يكتشف غرفةً أخرى داخل عقله لم يكن يعلم بوجودها.
أما مقالاتي المفضلة في الكتاب فهي:
1- "هوامش لحياة مزدوجة"،
للكاتب آيريل دورفمان، الكاتب والروائي الأمريكي/التشيلي/الأرجنتيني.
هذا فصلي المفضل على الإطلاق في القراءتين. عدا
عن طريقة كتابة المقال العبقرية، حيث يحدثنا الكاتب عبر الهوامش، بينما يضع جملًا
صريحة من سيرته الذاتية في المتن، فإن الكاتب يحتار بين اختيار الإسبانية أو
الإنجليزية ليكتب سيرته، وهي حيرة تطرح سؤالًا عميقًا: بأي لغة أروي حياتي؟ فالسيرة الذاتية
ليست مجرد أحداث، بل هي أيضًا اختيار اللغة التي ستتذكر بها نفسك، وكأن كل لغة
تمنح الماضي شكلًا مختلفًا.
2- "إحياء الأصل"،
للكاتب والروائي الكيني الكبير نغوغي وا ثينغو
قصص إفريقيا دائمًا موجعة، لكن ما لفتني في هذه المقالة أن الحديث لا يكون عن اللغة باعتبارها أداة، بل باعتبارها ذاكرة شعب. عندما تضعف لغة، لا تضيع الكلمات فقط، بل تضيع معها طرائق كاملة في رؤية العالم؛ يضيع التاريخ، والهوية، والانتماء.
3- "اللغة الأم بين شريحتين من خبز الحبوب"، لـ غاري شتاينغارت، وهو كاتب أمريكي من أصل روسي.
أظنه من أكثر الفصول طرافةً وعمقًا في الوقت
نفسه. يكتب عن الهجرة، والاندماج، والسخرية من ذاته، ويُريك أمريكا من الداخل، لا
باعتبارها الحلم الأمريكي، بل باعتبارها مكانًا يطلب من المهاجر أن يعيد تشكيل
نفسه. وشعرتُ أيضًا أن هذا الفصل يكشف أن اكتساب لغة جديدة ليس مجرد تعلم مفردات،
بل هو تعلم طريقة جديدة للضحك، والخجل، والطموح، وحتى للأكل.
وأنا أقرأ، خطر لي شيء. أنا ولدتُ في السعودية،
وأنا سودانية، وعشتُ في المجتمع السعودي، وأكتب بالعربية الفصحى. صحيح أن تجربتي
ليست تجربة انتقال بين لغتين كما في الكتاب، لكنها تحمل شيئًا قريبًا: الانتماء
إلى أكثر من مكان في الوقت نفسه. وربما لهذا وجدتُ نفسي منجذبةً إلى هذه الحكايات؛
لأنها تتحدث عن سؤال الهوية بقدر ما تتحدث عن اللغة.
هذا كتاب لا يتحدث فقط عن اللغات، بل يتحدث في الحقيقة عن الإنسان؛ عن الطريقة التي تعيد بها اللغة تشكيل ذاكرتنا، وانتماءنا، وصورتنا عن أنفسنا. فأنا بعد أن أغلقتُ الكتاب، لم أعد أسأل: أي لغة يتحدث الإنسان؟ بل أصبحتُ أسأل: أي إنسان تصنعه اللغة التي يعيش بها؟
كتاب عميق، حساس، ويلفت النظر إلى جوانب أخرى من
الحياة؛ عن اللغة، والوطن، والمهجر.
أخيرًا...عزيزي قارئ هذه المراجعة، هذا كتابٌ لكل قارئ، ولكل كاتب، ولكل من تعلّم لغةً ثانية أو يفكر في ذلك.
مروة بصير

تعليقات
إرسال تعليق