في خضم ضغوط الصف الثالث الثانوي، حيث تبدو كل الأيام متشابهة ومحملة بالقلق، قد تأتي اللحظات الفاصلة من أسباب عابرة لا نُلقي لها بالاً؛ كمشاجرة عادية مع أختي الكبرى مساء الثلاثاء. لا أذكر سببها اليوم، لكنني أذكر جيداً ذلك الصمت العنيد الذي تلاها وامتد حتى مساء الأربعاء، لحظة استعداد أسرتي، أمي، اختي، وأخواي الصغيران وأنا، للانطلاق في عطلة نهاية أسبوع قصيرة إلى مدينة جدة.
فجأة، وبلا مقدمات، التفتُّ نحوهم وأعلنت قراري: "لن أذهب معكم، سأبقى هنا في البيت مع أبي". كانت هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أتخذ فيها قراراً متمرداً كهذا، ولا أعرف كيف تشكل القرار ولا كيف نطقت به، لكني فعلت وتمسكت به بقوة أمام محاولات الجميع لإقناعي بالتراجع. وفي مقابل دهشة العائلة، قبل أبي قراري بهدوئه الداعم المعتاد، ومضوا هم نحو صخب السفر، وبقيت أنا أكتشف للمرة الأولى معنى أن تملك خيارك.
بدأ ذلك الويكند الاستثنائي بهدوء ساحر. تحولت واجباتي المدرسية ومذاكرتي المقلقة لشهادة الثانوية إلى طقوس مسلية، كنت أنتقل بين قنوات التلفاز، أستمع إلى الأغاني المفضلة، وأتحرك في زوايا المنزل الفارغ بحرية لم أعهدها من قبل. كان هناك صمت جميل، وفوضى أسرية تلاشت، فقط أنا ونفسي، ووجود أبي الهادئ والمطمئن في الخلفية، والذي كان يضفي على المكان شعوراً عميقاً بالأمان والسلام. إن أمان الأب في تلك اللحظة كان هو الجدار الثابت الذي استندت عليه رغبتي في الاستقلال؛ وجودٌ صامت يمنحك الجرأة لتقف وحيداً دون خوف.
وفي ظهر يوم الجمعة تحممت، وطلبت من والدي أن يحضر لي وجبة غداء معه وهو عائد من الصلاة. جلست أمام التلفاز، وكان يعرض حينها فيلم الكوميديا الشهير "Friday". كم استمتعت به في تلك اللحظة! وكم ضحكت من أعماق قلبي وأنا أتابع تفاصيل ذلك اليوم العشوائي لأبطال الفيلم. شعرت بحرية مطلقة تنساب داخلي، وفرحت بقراري فرحاً لا يسعه المدى.
وحين عادت أسرتي لاحقاً، محملة بضحكات وحكايا نهاية الأسبوع في جدة، استمعت إليهم بمتعة حقيقية، ولم يتسلل إليّ ندم واحد على تفويت الرحلة؛ فقد حظيت برحلتي الخاصة جداً، رحلة لم تتطلب تذكرة سفر، بل تطلبت فقط شجاعة البقاء.
بعد سنوات طويلة من ذلك التاريخ، أعدت مشاهدة فيلم "Friday" مدفوعة بالفضول والنوستالجيا. للمفاجأة، لم أجده ظريفاً أو مضحكاً كما وجدته في ظهر ذلك اليوم البعيد في ٢٠٠٤. وهنا تحديداً حدثت المفارقة الكبرى؛ لم يكن الأمر إدراكاً فورياً تجلّى لي في ذلك الظهرية البعيدة، بل كانت بذرة وعي خفيّ انغرست في تربة نفسي يومها.
خلال تلك السنوات التي مرت، كنت أعيد اكتشاف تلك اللحظة وأفكك شيفرتها يوماً بعد يوم. أدركت مع النضج أن نهاية الأسبوع تلك، لم تكن مجرد عناد طفولي، بل كانت اللبنة الأولى التي بدأ عقلي يبني بها مفهومه عن الاستقلالية والحرية. لقد شكلت تلك التجربة بوصلتي الداخلية التي تشذبت عبر التجارب والسنوات، لتعلمني كيف أأنس بنفسي وأكتفي بها. وبفضل تلك البذرة، أستطيع اليوم أن أعيش يومي بالكامل، بكل تفاصيله، بناءً على قراري الخالص وخياراتي الحرة، دون خوف من فوات شيء، ودون حاجة لتبرير رغبتي في التوقف والتقاط الأنفاس.
مروة بصير

تعليقات
إرسال تعليق