رسالة إلى طفلة

 



 

إلى صغيرتي الحلوة..

لعلكِ الآن في وداعةٍ وهناءة، تلعبين بعروستك البلاستيكية الصغيرة ذات الفساتين الكثيرة، تلك التي صنعتِ لها سريرًا وكرسيًا وبيتًا كاملًا من خيالك الخصب. أو لعلكِ تقرئين مجلة ماجد وقصص الأطفال، تتأملين كل حرفٍ مكتوب وكأنكِ تكتشفين العالم للمرة الأولى. أو ربما تجلسين الآن منحنيةً على دفترك السري ذي القفل الذهبي، تكتبين قصة جديدة أو نصًا صغيرًا لا يعرف أحد سواكِ أنه موجود.

 

أيًّا كان ما تفعلينه الآن، دعيني أخبركِ شيئًا قادمًا من المستقبل...

من عام 2026 تحديدًا.

 

أتذكرين حين كنتِ في المرحلة الابتدائية تقفين كل صباح على مسرح المدرسة في الإذاعة الصباحية؟ حين كنتِ تقرئين من الورقة التي في يدك موضوعًا سرقتِ فكرته من كتابٍ في مكتبة المنزل أو من مجلة ماجد؟

حين كنتِ تتباهين بقدرتك على القراءة الطلقة، وباللغة السليمة التي لا تحتاج إلى تصحيح أو توجيه؟ تلك الجرأة الصغيرة، وذلك الشغف بالكلمات، وموهبة القراءة، وخيالك الواسع الذي كان يحوّل الألعاب والدفاتر إلى عوالم كاملة... أتذكرين الساعات الطوال التي قضيتها وأنتِ تتخيلين المستقبل، وفي كل مرة ترسمين له سيناريو مختلفًا؟

كل ذلك لم يكن أمرًا عابرًا يا صغيرتي... كان الطريق.

 

ستكبرين وأنتِ تتبعين الكتب والقصص. ستكون مراهقتك رفقة روايات الجريمة وألغازها، وكأن الروايات الرومانسية لا تعنيك بشيء، رغم أن قلبك مليء بالحب.

ثم في الثانوية .. ستحدث قطيعة قصيرة بينك وبين القراءة والكلمات حين يقتحم الحاسوب والإنترنت حياتك.

لكن لا تقلقي...  ستعودين.

فبعض الأشياء لا تغادرنا حقًا مهما ابتعدنا عنها. ستعودين إلى الكتب كما يعود المرء إلى بيته الأول.

 

ثم ستكبرين قارئةً تتلمس طريقها. ستشاركين في نوادٍ وملتقيات وورش أدبية وثقافية، وستصادقين أشخاصًا يشبهونك؛ يحبون القراءة والكتابة والكلمات مثلك.

نعم، سيتأخر هذا الأمر كثيرًا. سيتأخر حتى تقتربين من الثلاثين.

لكن لا بأس، فبعض الهدايا لا تأتي مبكرًا، وبعض الأشياء كلما تأخرت ازدادت جمالًا.

 

ستواصلين الكتابة، ولن تبقى كل كتاباتك حبيسة الدفاتر كما تظنين الآن. سيخرج بعضها إلى النور عبر منصات التواصل، ثم تتشجعين أكثر فأكثر ، وستصدر لك كتب مطبوعة تحمل اسمك على أغلفتها. وسيصبح لك قرّاء ينتظرون قصصك ومقالاتك وكلماتك.

 

وستفتح لك الثقافة أبوابًا لم تكوني تتخيلينها. ستمنحك تجارب جميلة، وفرصًا للسفر والاستكشاف، وأماكن جديدة، ووجوهًا جديدة، وحكايات جديدة.

 

والأجمل من كل ذلك أنها ستمنحك نفسك.

ستكبرين لتصبحي امرأة تكتب، وستنقذك الكلمات مرات كثيرة. وستكون الكتب بيوتًا إضافية تسكنينها حين تضيق بك البيوت.

 

لكن دعيني أكن صادقة معكِ أيضًا، الحياة يا صغيرتي الحياة ....

....

كيف أخبرك عن الخذلان والألم؟

كيف أخبرك أن الحياة لن تكون سهلة معك؟

كيف أخبرك أن بعض الذين ستحبينهم سيرحلون، وأن بعض الأحلام ستتأخر، وبعضها سيموت قبل أن يرى النور؟

كيف أخبرك أنك ستبكين أحيانًا بسبب أشياء لم يخطر ببالك يومًا أنها قادرة على إيلامك؟

 

ستعرفين الوحدة أحيانًا ،وستعرفين الفقد.

وستجلسين أمام أسئلة كبيرة لا تملكين لها جوابًا.

لكنكِ ستكتشفين في نفسك قوة لم تكوني تعرفين أنك تملكينها.

ستكبرين أسرع مما تتخيلين، وأسرع مما تتمنين.

وحين تبلغين الثامنة عشرة، ستبدئين الاعتماد على نفسك.

ستعملين وتجتهدين وتسعين وراء رزقك بيديك.

وستحملين مسؤوليات لم تكوني تتصورين يومًا أنك قادرة على حملها.

أحيانًا ستتعبين، وأحيانًا ستظنين أن الطريق شاق ومجهد على قلبك البريء.

لكنكِ ابداً لا تستسلمين ..

 

ستقضين سنوات تمنحين العمل والدراسة من وقتك وجهدك وقلبك.

لكن الحياة ستعلمك درسًا مهمًا: أن النجاح لا يعني أن تستهلكي نفسك.

وأن القوة ليست في الاحتمال الدائم. وأن الشجاعة ليست فقط في البقاء، بل في الرحيل أيضًا.

 

ستقفين مرارًا أمام قرارات صعبة، وسيربكك الخوف قليلًا. لكنّك ستفعلينها، ستختارين نفسك في كل مرة تشعرين فيها أن المكان لم يعد مكانك، أو أنك تخسرين نفسك.

 

وأريدك أن تعرفي منذ الآن أنني فخورة بكِ بكل قرار تنازل أو ابتعاد، بقدر فخري بأي كتاب كتبته أو أي إنجاز حققته. لأن الإنسان لا ينجو حين يربح كل المعارك. أحيانًا ينجو حين يعرف أيّ المعارك لم يعد يستحق أن يخوضها.

 

وستفهمين أيضًا شيئًا آخر يا صغيرتي...

أعرف أنك تؤمنين الآن بالحب إيمانًا مطلقًا. وتؤمنين بالعائلة كما تؤمنين بوجود والدك وأمك وإخوتك.

أعرف أنك تظنين أن القلوب الطيبة تنتهي دائمًا إلى نهايات سعيدة، وأن الحب الصادق قادر على إصلاح كل شيء. لذلك يؤلمني أن أخبرك أن الحياة ليست بهذه البساطة.

 

نعم، سيمضي قلبك بثقة كبيرة، وستحسنين الظن كثيرًا. لكنك ستكتشفين أن الحب وحده لا يكفي. وأن بعض الناس لا يبادلون القلوب بالقدر نفسه من الصدق. وأن النوايا الجميلة لا تعصم أصحابها من الخذلان. ستسقط من داخلك صور كثيرة رسمتها للحب وللعائلة وللحياة. وستخرجين من بعض التجارب بقلب أكثر حذرًا، وأكثر صمتًا.

 

لكن لا تخافي...

فأنتِ لن تفقدي قدرتك على الحب. ستفقدين أوهامًا كثيرة عنه فقط. وستتعلمين أن الحب الحقيقي ليس كلمات كبيرة ولا وعودًا براقة، بل طمأنينة وصدق واحترام ورفقة في الأيام العادية.

وسيؤلمك هذا الدرس كثيرًا.. و ستصابين بالكآبة والقلق. لكنه سيجعلك ترين البشر كما هم، لا كما تتمنينهم أن يكونوا.

 

لكن اسمعيني جيدًا... كل ذلك لن يهزمك.

ستتعثرين، نعم، لكنك ستنهضين. ستبكين، لكنك ستجبرين. ستحزنين، لكنك ستفرحين أيضًا. وستظنين أحيانًا أنك ضعتِ، ثم تجدين طريق العودة إلى نفسك من جديد. أبطأ مما تتمنين ربما، لكنك ستجدينه. وفي كل مرة ستخرجين أكثر قوة، وأكثر فهمًا للحياة، وللبشر، ولنفسك.

 

طفلتي الحلوة...

إن جميع ما ذكرته لكِ من كتب ومنشورات وإنجازات لا يقارن بروعة جائزتك الكبرى.

وأقصد بذلك العلاقات التي ستكتسبينها. القلوب التي ستلتقي بها. الأصدقاء الذين سيصبحون عائلة إضافية.

والمحبة التي ستجدينها في عيون الناس.  حب الناس يا صغيرتي... كان نعمتك الكبرى دائمًا، وأجمل ما منحك الله إياه.

 

واليوم، وأنا أنظر إليكِ من هذه المسافة الطويلة بيننا، لو استطعت أن أرسل إليكِ شيئًا واحدًا عبر كل هذه السنوات، فلن أرسل نصيحة ولا تحذيرًا.

سأرسل لكِ الطمأنينة فقط.

وأقول:  لا تخافي يا صغيرتي... لقد نجوتِ.

خُذلتِ أحيانًا، وتأخرت أحلامك أحيانًا، وتغيّرت أشياء كثيرة كنتِ تظنينها ثابتة.

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: ما زلتِ تحبين الكلمات... وما زالت الكلمات تحبك.

 

وأخيرًا...

حبيبتي .. ميما الصغيرة .. لا أملك لكِ وصية أهم من هذه:

لا تتوقفي عن القراءة، ولا تتوقفي عن الكتابة.

فهما ليستا مجرد موهبة... إنهما قدرك.

 

x

تعليقات

  1. رسالة أكثر من رائعة تحمل في طياتها كثير من النصائح شكراً استاذة مروة جدير بابنتك اذا خطت خطواتك أن يكون لها شأن في المستقبل ان شاء الله .

    ردحذف

إرسال تعليق